رحلة مع ناجي العلي في شمال بلادنا

single

*(أمّا  أن تموت في سبيل قضية عادلة فتلك هي الحياة وذاك هو الاستشهاد) د. أسعد عبد الرحمن*


قد يكون العنوان أعلاهُ مستفزا... أو غير معقول.. لأن ناجي العلي.. استشهدَ خارج وطنه.. ولأن الوصول إلى الوطن.. لمن هم خارج الوطن.. من هُجِّر منهم ومن هاجر... يبدو مستحيلا أو شبه مستحيل في ظروف بلادنا.. والمستحيل الثّاني أو الثالث أنني لم أصادق ناجي العلي ولم أتعرف عليهِ إلا روحيا.. ومن خلال أخباره.. ورسوماته السّاخرة.. من كل ما يجلب السخرية  في وطننا العربي الكبير.. إذًا كيف حدث ذلك؟
لقد دعاني زملائي المعلمون لرحلة إلى الجليل الأعلى وبالذات لقرية عرب العرامشة الحدودية مع لبنان... فبالإضافة لأهمية التعرف على معالم الوطن.. ولأهمية أن يقوم زملاء العمل بمثل هذه الرحلات المدروسة... فهي تنمي الانتماء للوطن.. وتنمي العلاقات الاجتماعية بين أعضاء الأسرة التعليمية الواحدة أو أسرة العمل الواحدة، وعلى عادتي في مثل هذه الرحلات أصادق شخصية أخرى تعينني في أوقات الفراغ.. أو عند الملل من برنامج  ما أو ألجأ إليها محبة ورغبة في التّعرُّفِ عليها، وهكذا اصطحبت معي "الشهيد... الشاهد، ناجي العلي" (1) كما رآه الدكتور أسعد عبد الرّحمن الفلسطيني وصديق ناجي العلي، فمرة كنت أعيد في ذاكرتي رسومات ناجي يتقدّمها "حنظلة" الشّاهد المعذب الذي بَقِيَ معنا ويحمله شبابنا وشاباتنا حول أعناقهم وعلى صدورهم اعتزازا وليكمل شهادته في الكتاب وأخرى التَهِمُ ما كتبه د. أسعد عبد الرحمن من خلال معرفة شخصية، وموقف وطني وإنساني من الشهيد. فكانت لي رحلة لا أجملَ ولا أبهى لأنني سعدت بمعاملة زملائي وزميلاتي فبعضهم طلابي وكم أنا سعيد بذلك،وبمناظر الجليل الأعلى وخاصة المنطقة التي زرناها، وبمرافقة ناجي العلي من خلال د. أسعد عبد الرحمن.
يقول عن شخصية ناجي العلي الذي تعرف عليه عام 1962م في لبنان، " تقاطعت باستمرار قوة ناجي العلي مع نقطة ضعفه، إذ أنّهُ لا انفصام ولا فواصل بين ناجي الإنسان وناجي الموقف. فناجي لم يكن مجرد فنان يرسم رسوماته الوطنية والتقدمية والقومية للصحافة، كما أن ناجي لم يكن من النوع الذي يعطي الصحافة ما تحب أن تنشر ثم يذهب بعدئذ في حال سبيله ليعيش حياته كانسان على نحو نقيض أو مختلف" (2).
حنبلي في الالتزام بقضايا شعبه، نحن في ثقافتنا العربية الفلسطينية نقول عن المتشدد في رأيه "حنبلي" نسبة للإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة المعتبرين، وأحيانا تقال من باب النّقد بأنه لا حاجة لهذه الشدة والتزمت،  أما أسعد عبد الرحمن فيأتي بالوصف من باب الايجاب لأنه من باب التزام ناجي العلي بقضايا شعبهِ "وإذا تحدثنا بنوع من التخصيص عن ناجي الإنسان لوجب تسجيل حقيقة انه رجل ملتزم على أشد ما يكون الالتزام بقضايا شعبهِ وأمته ومنذ نعومة أظفاره. بل أن ما يأخذه البعض على ناجي كونه بنظره ملتزما على نحو "حنبلي" إن جازت العبارة"(3).
ويصفه الكاتب من جهة ثانية بأنه شديد الايمان بحركة التحرر العربي والعالمي ولا قدسية لديه إلا للقضية والمبادئ، فهي وحدها فوق النّقد "أما التنظيمات رغم إيمانه بحركتها والاعجاب بها فإن مواقفها وممارساتها ورموزها غير محصّنة ويجوز ليس نقدها وانتقادها فحسب وإنّما إيلامها وجَلدها إذا ما دعت الضرورة لذلك"(4). ولكن "موقفه تجاه أعداء القضية والأمة والوطن، فحدث ولا حرج! كانت ريشته تجاههم سيفا بتّارا لا يضرب الذنب وإنما يركز على الرأس... مما "جعل منه في حياته شهيدا محتملا، وجعل منه في مماته شهيدا قضى ضد الأعداء وليس في فراش المرض"(5).
ناجي العلي الذي كان صديقا للكاتب الشهيد غسّان كنفاني، ومحمد يماني، وخالد أبو عيشهة، ورفيق عسّاف وغيرهم، وبعد استشهادهم بدأت رحلته الفنية بالتبلور في رسوماته في مجلة "الحرية" وصحيفة المحرر وملحق "فلسطين" وأصر ناجي في رسوماته على "تركيز الرؤية على الخيط الرفيع المتين الفاصل بين العمل الوطني الفلسطيني والعمل القومي العربي والعمل النِّضالي الأممي"(6).
وكان يسمي فلسطين "العربية فلسطين" فتلتحم هذه الكلمة مع أغنية ابن العربية فلسطين محمد عسّاف الذي أصبح هو أيضا موقفا وفنا رمزًا لشبيبتنا وذلك من خلال المسجل في الباص "علي الكوفية علّي" والحماس الفلسطيني الأصيل بين  زملائي وزميلاتي، فأبتسم وأترك قليلا ناجي وأسعد وأهتف للرمز الفلسطيني معهم ألسنا من طينتهم أليس ناجي ابن الشجرة المهجّرة التي تنتظر أبناءها.


*ولكن ناجي لم ينحنِ!*


وأعود لأقرأ عن عمله في جريدة "السياسة " و"السفير" و"القبس" وغيرها، فكل صحيفة كانت ترغب في النسيم الوطني والمهنية كانت تتمنى أن يرسم لها ناجي العلي، بعضها يدفع الثمن، والآخر ينحني ولكن ناجي لم ينحنِ.
وأسمع صوت نبيل بين جادٍ وهازل يقول: وماذا تقرأ يا أستاذ؟
- لا... أنا لا أقرأ انا لي صديق يرافقني إلى جانبكم لا ترونه هو ناجي العلي أحدثه ويحدثني أحيانا؟
- يقول نبيل بألم: ناجي. ناجي يا أستاذ قتلوه؟ ويقال انها المنظمة التي قتلته...!
- وهل تقتُل الأم أبناءها يا ولدي، اجبته وأنا أعرف مدى التضليل في ظل الأزمات.. وآلات فبركة الأخبار لحرف النّضال عن طريقهِ الأصيل.
- فأعود لأسعد عبد الرحمن الذي يخاطب صديقه الشهيد قائلا: "لقد صدر قرار اغتيالك منذ بدأت ترسم الحقيقة. أتذكر كم تندرنا بذلك؟ أنت تهزأ من الموت القادم وأنا أتظاهر بالشجاعة. كانت المسألة مسالة توقيت فحسب، وللهِ درك فأنت لم تخشَ الموت يوما لكنّكَ أحببت الحياة، أحببتها لأنها تعطيك فسحة إضافية من الوقت لتناضل برسوماتك.أحببتها لأنها تمنحك مجالا زمنيا أرحب لترسيخ المفاهيم الأصيلة والمبادئ الوطنية السامية في وجدان أمتك، أحببتها لأنها فتحت لك الأبواب كي تفضح الاغتيال وتسعى لقتل جرثومتهِ. وها أنت تقضي كما الطبيب الذي يقضي بالعدوى وهو يخوض حروبه ضد الجراثيم القاتلة"(7).
ويصدح صوت "أبو حسين" قائد مسيرة الرحلة: وهذه بلدة البصة المهجرة، فأتذكر النّقابي أبو جورج  إبن البصة الذي أتى من أوروبا ليرى ثرى البصة ويأخذ حفنة من ترابها لأولاده.
ونصل إلى غابة النمر هنا استبسل أحد الرعاة الفلسطينيين وقتل النمر في حوالي العام 1977 فسميت باسمه وهذه مغارة القوس... آه لو استطعت أن ترسم يا ناجي ما نراه وما قد تشعر به لزاد ابداعك في أرض الوطن.
يا شباب عروس وعريس ينزلان على حبل ويتصوران إنهما لا يفهمان العربية ولكن كلنا أصول لنزفهما، وبدأت الزغاريد الفلسطينية تتعالى، واقوال الحداء الفلسطيني تترى ونحن بفرح وهرج ومرج ونريد أن نضيف للرحلة رونقا آخر جميلا وعندما هبطا لقاع المغارة وعادا ونحن نهتف شكرانا على فعلتنا لأنهما عرفا أننا فرحنا لهما ولم نشتمهما بل احتفلنا بهما.
الله يا ناجي ماذا كنت ترسم لو كنت حيا ورأيت هذا المنظر الغريب العجيب الإنساني، المعبر، ولكن أي كلمات تستطيع وصفه بكل تعقيداته فنحن لم نسأل العروس أين ولدت؟ أهي في روسيا أم فرنسا؟ أم – ربما -  في حيفا؟
ولم نسألها عن رأيها في القضية الفلسطينية أو السلام العادل؟
فنحن الفلسطينيين لا نسأل في هذه الحالات ماذا؟ ومن؟ وكيف؟ ولماذا؟ بل نكمل فرح العريس حتى لو كان من أعدائنا أو لا نعرفهما فللعريس والعروس فرحة واحدة لا نخذلهما  فيها. ودعت صديقي عبد الرحمن وناجي واكملت مشواري مع  زملائي  في طريق العودة إلى بيوتنا وقد أخذَ منّا التعب مأخذه، ولكنّ ناجي العلي لم يعُد معنا... ربما يرسم الآن العريسين وربما يسخر منّا وربّما... يقول أنا لم أشهد ما يحدث في عالمكم العربي اليوم من ذبح وسلخ.... ولكنّ روحه  ما زالت ترفرف حولنا وبيننا وما زال عنق المعلمة الشابة التي لتوها انهت دراستها الجامعية بنجاح يشار له بالبنان تحمل حنظلة باعتزاز حول عنقها.



//إشارت:


1- د. أسعد عبد الرحمن (1992م)، الشهيد.. الشاهد: ناجي العلي، عمّان / الأردن، لم تُذكر دار النّشر.
2- هناك:ص9.
3- هناك:ص10.
4- هناك:ص11.
5- هناك:ص12.
6- هناك:ص22.
7- هناك:ص51-52.



(عرعرة – المثلث)

قد يهمّكم أيضا..
featured

اتحاد مع "الاتحاد"

featured

دفيئة الشعارات

featured

لتذويت عبَر الحرب

featured

الصراع الفكري، وحاضنات الإرهاب التكفيري (5-5)

featured

الحب في زمن الأبرتهايد

featured

إعتداءٌ ليس على الكنيسة وحدها

featured

هوَجٌ يخدم الصهيونية

featured

صراعنا صراع وجودي وحَضاري