تعرفت على الاتحاد سنة 1958، في تلك السنة قام اهالي قريتنا بمظاهرة شاركت بها الغالبية الساحقة جدا ضد مصادرة ارض "الخيط"، كنت واحدا من المشاركين وكنت كاتب شعارات المظاهرة، بعد يومين اوصل رفاق من الرامة وفي مقدمتهم طيب الذكر كمال غطاس اعدادا من الجريدة وفيها تضامن الحزب الشيوعي والجريدة مع القرية ضد السلطة التي كانت قد فرضت التجنيد العسكري الاجباري على الشباب العرب الدروز بتواطؤ وتوقيع عدد قليل من ازلامها الدروز.
قرأنا ما كُتب على الناس في الدواوين وعلى الدروب، فالغالبية الساحقة من الرجال كانوا أميين فكم الحال بالنساء!! عبّر الناس عن تقديرهم للجريدة التي كانت تصدر يومي الثلاثاء والجمعة، ومن يومها لم تنقطع الاتحاد عن القرية خاصة بعد تأسيس خلية شيوعية في البلد.
ورحت اساهم في توزيعها، كانت الاعداد قليلة وقليلة جدا. في نفس السنة ذهب المئات من الناس إلى ارض الخيط المصادرة وبدون تصريح من الحاكم العسكري، ومعنا جريدة الاتحاد تتجول مع الناس في مواقع مرج الغزلان وموارس الحرية والحنداج وقدح الغول ووعرة زيادة والخندقيات وباب المغر، حتى جاءت قوات الشرطة وطردت الناس واعتقلت البعض وقالت: توجهوا إلى المحاكم!! وأية محاكم!!
عندما بدأت العمل في قطف الحمضيات في وادي الحوارث ومنطقة كفار سابا قرب مستوطنات جان حاييم والبصرة وتسوفيت كان الصديق فتحي من الطيبة يحضر لي الجريدة هو و"العبد" من الطيرة. في شهر كانون الثاني سنة 1968 عبأت حقيبتي الكبيرة بأعداد الاتحاد لإيصالها إلى طولكرم القريبة، كان على الحاجز شاب من قرية حرفيش، فتش الحقيبة وخاطب نفسه قائلا: لا يوجد في الحقيبة سلاح، كلها اوراق وأنا لا اعرف القراءة "عَبور" مُرّ..
وزعت الجريدة خلال وقت قصير على الناس هناك، وكيف تجمهر حولها الناس!! بعدها بسنوات عديدة قال لي الشاب ابن قرية حرفيش: هل تحسب انني لم اعرفك؟! لكن ما لي في هذا الأمر..
من جان حاييم صرنا نذهب إلى الطيرة، سعيد وكامل وأنا نحضر اجتماعات الشيوعيين في النادي عند بيت الصديق مصطفى بشارة، هنالك تعرفت على طيبي الذكر عثمان ابو راس وعبد الحميد ابو عيطة وغازي شبيطة، نذهب ونعود مشيا على الأقدام ونتزود بجريدة الاتحاد.
في اوائل ستينيات القرن الماضي بدأت محاولة الكتابة في الاتحاد، في احد المقالات هاجمت فيها شابا من كفر سميع على موقفه، بعد ثلاثة عقود من السنين ذهبت أنا ويوسف لنقدم واجب العزاء له في بيته، رحب بنا وفتح خزانة أخرج منها قطعة من جريدة وقال: هذا ما كتبته عني قبل ثلاثين سنة والحق معك فكل التقدير، ورحنا نضحك، اما المقال فسأظل احتفظ به بكل احترام.
ونفس الحادث مع معلم من يركا، توفي وذهبت للتعزية، فما كان من احد أبنائه إلا ان احضر قطعة من الجريدة وقال: هذا ما كتبته في نقاشك مع والدي قبل عشرات السنين، وقد أشار إلى ذلك الرفيق الشاعر نايف سليم في احد كتبه الرائعة من سلسلة – طرائف -، ذات النكهة المدهشة.
في سنة 1987 في احداث الزابود والتي اطلق عليها – معركة الزابود – ضد المصادرة وكانت الاتحاد قد تحولت إلى يومية ورئيس تحريرها طيب الذكر اميل حبيبي، نشرت الاتحاد عشرات عديدة من الأخبار والمقالات تضامنا مع القرية، وذهب وفد من الرفيقات والرفاق من القرية إلى مقر الاتحاد في حيفا لتقديم الشكر وكان في استقبالهم اميل حبيبي والرفاق في الاتحاد. سنة 87، وسنة 97 وهي معركة أخرى خاضها الاهالي ضد السلطة والمصادرة تحولت جدران المجلس المحلي إلى معرض مشرّف للاتحاد ودورها المشرف.
كنت سمعت عن الاتحاد سنة 1956 عندما نفى الحكم العسكري عددا من رفاق المثلث إلى قريتنا، ايام العدوان الثلاثي ومجزرة كفر قاسم، ومن الرفاق تعرفت على طيبي الذكر ابو العفو وابو سلام محمد ابو اصبع الذي نشر عن الاستقبال الرائع الذي قوبلوا به من قبل المعازيب الأصيلين.
أحصر هذه المقالة المتواضعة في الأحداث التي ذكرت دون ان أتطرق إلى مواضيع أخرى عن شعبنا وقضيتنا العامة ولا عن النواحي الفكرية والأدبية، ولا عن التقدير والدور للجريدة من محاضرات سمعناها في معاهد الدراسة وجامعات الاقطار الاشتراكية من فؤاد نصار وخالد بكداش وجورج حاوي والشيوعيين العراقيين، وكيف كان الطلاب من الاقطار العربية يتناقلونها من يد إلى يد.
واليوم عندما التقي مع الاتحاد في وقت الفجر، حتى أيام الزمهرير والمطر الغزير يحضرها ويوزعها الرفيق المبدئي الرائع الشاعر سهيل قبلان، اشعر بالاعتزاز والفخر أنني من محبي الاتحاد وحزب الاتحاد وشعب الاتحاد ودورها النضالي الأممي الثوري الطبقي الفكري ضد هذا الثلاثي العريق في العدوان والخيانة، الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، واكثر ما افتخر به هو هذا الاتحاد مع "الاتحاد" وحزب الاتحاد.
