الشّيء الوحيد الذي يتّفق عليه الجميع، أنّنا نعيش في محيط تكنولوجي متطوّر لدرجة غير معقولة، فوجدنا "موقع التناسُل" الاجتماعي الفيس بوك أنسب مكان لنعايد على بعضنا البعض، لم أُخطئ التسميّة، لأن نَسل المنتسبين إليه يتكاثر يوميًّا، ورغم هذا التطوّر التكنولوجي... إلا انه يبقى هناكَ نقص ما، يعاني منه مجتمعنا العربي عامّة والشفاعمري خاصّة، وهو تبادل المعايدات الفرديّة الحقيقيّة غير الظّاهريّة.
إن بعض العائلات في هذه البلدة ما زالت تحافظ على تقليد المعايدة الشخصيّة، بيوتها مفتوحة في موسم الأعياد لاستقبال أهل البلدة جميعًا، وهي معايدة عريقة وتاريخيّة، موروثة عن الآباء والأجداد، وعلى الجميع التمثّل بهم، لأنها إرث ثمين جدًّا، آملاً من المجلِس البلدي وكل المؤسّسات، القيام بتوعيّة أبناء البلدة على أهميّة المعايدات الفردية، بصراحة إنّي أحبذ كثيرًا هذه المعايدات، وخاصّةً عندما أرى قلوب الضّيوف مُشرقة بالصِّدق، وفي ملامحهم المودّة الحقيقيّة، والابتسامات ترسم الرِّضى عن استمراريّة هذه العادة.
اعتَبَرَ البعض معايدة النّاس لبعضهم البعض، بأنها طابع خاص، ولا تستحق تسليط الضّوء عليها، وأنا لا أوافق على هذا الوصف، لأنها محاولة لحصرها ضمن إطار الاجتماعيّات العائلية.وعدم تعميم المعايدات الفرديّة على المجتمع الشفاعمري، يُبعد النّاس عن متعة الالتقاء ببعضهم البعض، لأن مبدأ الانقسام الطّائفي والانقسام الاجتماعي مرفوضَان رفضًا قاطعًا.
يجدربالمسئولين والآباء في هذه المدينة، وبالأخص رجال الدّين أن يشجّعوا أيضًا المعايدات الشخصيّة وليس فقط أن يتحدّثوا سنويًا في كلماتهم عن أهميّة التلاحم الاجتماعي، وعن روعة المشاركة الوجدانيّة في المناسبات المختلفة، وعن وحدَة العائلة الشفاعمرية، فغدَت المسبحة الرّسميّة التي تُكرّر دائمًا على ألسنة المتحدّثين في مواسم الأعياد.
بالله عليكم، كيف ستحافظون على تماسك هذه العائلة، إذا لم تُشجّعوا الشبّان الصّغار، على المشاركة في هذه المعايدات؟! فهكذا تعزّزون فيهم روح الانتماء إلى بلدهم، كي يتخلّواعن الآراء المسبقة الخاطئة التي يحملونها في عقولهم عن بعضهم البعض، ويجب ألا ننسى الدور التربوي لإدارات المدارس، بأن تدعو الأجيال الصّاعدة إلى التعرّف على بعضهم البعض من خلال معايدة زملائهم على مقاعد الدّراسة في بيوتهم، لخلق جوٍ من الوئام والاحترام، حتّى يزيل ترسّبات الماضي من تفكيرهم.
المعايدات الشخصية، تُوطّد العلاقة بين الناس، لأنها تقوم على المحبّة والأُلفة، تعكِس صورة جميلة عن العيش المشترك والجيرة الحسنة، وإن الكثير من القرى العربية ما زالت متمسّكة إلى هذا اليوم بمبدأ المعايدة الشخصية، لذلك علينا إحياء هذه العادة، فهي فرصة عظيمة للتقرُّب من الآخر، في مثل هذه الأجواء السعيدة، لملء هذا الفراغ الاجتماعي الذي نعاني منه.
