"القتل الاقتصادي" أسلوب ابتدعته الرأسمالية الأمريكية للسيطرة على اقتصادات الدول النامية

single

بيركنز: "القتلة الاقتصاديون رجال محترفون يتقاضون اجرًا عاليًا لخداع دول العالم بابتزاز ترليونات الدولارات"



صدر هذا الكتاب  باللغة الإنجليزية عام 2006، للاقتصادي الأمريكي جون بيركينز على هيئة مذكرات شخصية، وقد لقي حال صدوره اهتمامًا كبيرًا منقطع النظير في الاوساط العالمية،  على مستوى أجهزة الإعلام والرأي العام والتيارات السياسية والفكرية المختلفة،  لما فيه من معلومات غير مسبوقة عن ظاهرة "القتل الاقتصادي" المعقدة التي ابتدعتها الرأسمالية الأمريكية كأداة للسيطرة على اقتصادات الدول النامية، تتقوى بها وتوسع نطاق نفوذها، عبر استعمال وسائل الضغط الاقتصادي والسياسي، بكل ما تحمله من تحديات وتغيرات متلاحقة ومعقدة لصالح الهيمنة الأمريكية.
ولأهمية موضوع الكتاب دخل قائمة أكثر الكتب مبيعًا، وترجم إلى ثلاثين لغة أجنبية، وعم انتشاره في العالم أجمع، وقد تعرف على هذا الكتاب مبكرًا الدكتور بسام شفيق أبو غزالة المعروف في الأوساط الثقافية العربية كمترجم متميز، فقام بترجمته إلى اللغة العربية في عام 2012، وأصدره عن دار ورد في عمّان، وتمكن بفضل قدراته الكتابية واللغوية ان يشحن النص العربي بمفردات وتراكيب منسجمة ومتناغمة، أكسبته جمالية فائقة وقيمة بنائية متميزة، شعرت بتأثيرها عندما انتهيت من قراءة الكتاب، وبدون مجاملة أو مداهنة وجدتني أرى الكتاب باللغة العربية يتسع  لكثير من الجماليات السردية، التي لم أجدها بنصه الأصلي بالإنجليزية، وهكذا أحالت لغتنا الجميلة موضوعًا بالغ التعقيد إلى عتبات نصية بالغة المتعة.
يستهل الكاتب الصفحة التمهيدية الأولى من مؤلَّفه بتعريف مفاده "القتلة الاقتصاديون رجال محترفون يتقاضون اجرًا عاليًا لخداع دول العالم بابتزاز ترليونات الدولارات، وهم بهذا يحوِّلون الأموال من البنك الدولي، ومن الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية، ومن منظمات "مساعدات" أجنبية اخرى لتصبَّ أخيرًا في خزائن الشركات الأمريكية  الضخمة وجيوب قلةٍ من الأسر الغنية التي تتحكم بموارد الأرض الطبيعية، وسبيلهم إلى ذلك تقاريرُ مالية محتالة، وانتخاباتٌ مزورة، ورشى، وابتزاز، وغواية جنس، وجرائم قتل. إنهم يمارسون لعبةً  قديمة قدم الإمبرطوريات، ولكنها لعبة اتخذت في هذا الزمن العولمي أبعادًا جديدة رهيبة".
وفي سياق هذا التعريف العام يعرف جون بيركينز نفسه كقاتل اقتصادي متمرس، بدأ عمله هذا عام 1972 في شركة "مين" وهي شركة خاصة مساهمة مقرها مدينة بوسطن، مختصة بالاستشارات الهندسية، واصل عمله فيها حتى عام 1980، وتلخصت مهامه العملية باعداد تنبؤات اقتصادية "مفبركة" لمشاريع هندسية كبرى، مُدعمة بأرقام احصائية متخيلة، تتشابك مع معادلات نماذج رياضية ونظرية "الاحتمالية" بصورة ديكورية لا أكثر، تبين في مجملها جدوى استثمار مليارات الدولارات في مشاريع  ضخمة في الدول النامية، قادرة على تحقيق نمو اقتصادي كافٍ لتبريرتقديم القروض من وكالات الإقراض الدولية.
نجح جون بيركينز في مجال عمله وترقى، والتقى بزعماء وقادة ورؤساء وأمراء، "شجعهم" بالرشوة والابتزازعلى قبول أخذ القروض تحت ذريعة تطوير البنى التحتية في بلادهم، مقابل منح الشركات الامريكية كافة الامتيازات في جميع المناقصات والعقود، والإذعان لكل ما تطلبه منهم الحكومة الامريكية.
استطرد في توضيح القروض المالية الضخمة التي يختلقها القاتل الاقتصادي، بين أنها تقدم من بنوك امريكية والبنك الدولي، إلى الشركات الأمريكية المنفذة للمشاريع، وعلى البلد المدين أن يسددها بالكامل، الأصل والفوائد في الأوقات المتفق عليها، وعند تخلف دولة ما عن سداد الدفعات الواجبة عليها،يضيق الخناق عليها ويطبق ضدها "جزاءات وعقوبات صارمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، منها السيطرة على تصويتها في الأمم المتحدة، أو إقامة قواعد عسكرية في أراضيها، أو السيطرة على مصادرها الطبيعية الثمينة كالنفط أو قناة بنما، مع بقاء المدين مدينًا بالمال المقترض".
وأيًّا كان الأمر، فإن اعترافات جون بيركينز، لها خصوصيتها الشديدة، ولها عموميتها الرحبة المتسعة الضامة لتجارب دولية كثيرة، اعترافات تفعل فعلها في بلورة صورة  جديدة عن توحش الرأسمالية  المعاصرة لا سابق لها حتى الآن، تتجسد تجلياتها على أرض الواقع، بربط دول العالم مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لصالح عدد من شركاتها ومصارفها.
لقد تناول المؤلِّف موضوع كتابه بنظرة واقعية شاملة، وأكد أن المعلومات المتوفرة في مسالك النص مستمدة من تجارب عملية وأحداث تاريخية بآفاق واسعة شارك في أحداث بعضها، مدعمة بوثائق وسجلات ومذكرات شخصية له ولغيره، ومراجع كثيرة ثبَّتها في نهاية كتابه يمكن للقراء المهتمين الرجوع إليها من أجل زيادة المعرفة، بكل ما تنطوي عليه من جموح وطموح وغرور وقسوة ورغبة في تشييد المجد الامبرطوري الأمريكي.


*أسماء القتَلة*


وفي هذا الإطار يقدم المؤلف مخزونًا وافرًا من الأسماء المعنية بكتابه بأسمائها الحقيقية؛ سواء أكانت الأسماء لشخصيات سياسية واقتصادية معروفة، أم كانت لشركات عابرة للقارات ومصارف ودول زارها وأوقعها بفخه من الدول النامية، مثال ذلك أسماء شخصيات سياسية أمريكية شهيرة، مثل: روبرت مكنمارا، جورج شُولتز، كاسبر واينبرغر، جورج بوش، ديك تشيني وغيرهم،  وأسماء شركات هندسية وإنشائية وشركات نفط وطاقة أمريكية عالمية ذات نفوذ سياسي، منها: بكتل، هاليبيرتُن، ستون ووبستر، براون وروت، أيشلاند للنفط،  إنرون، أموكو، تكساكو وغيرها.
كما يقدم المؤلف تجارب عملية حقيقية، زاخرة بذكريات عاشها في دول يذكرها بأسمائها الحقيقية، كما يذكر أسماء رؤسائها وبعض المتنفذين فيها الذين التقى بهم منهم: شاه إيران، عمر توريجُس رئيس بنما الأسبق، وهذه الدول هي: إندونيسيا، بنما، ايران، السعودية، الكويت، الإكوادور، فنزويلا، كولومبيا، ايران، غواتيمالا، الإكوادور.
زار كل هذه الدول، وبيَّن للمسؤولين فيها بان شركته تسدي خيرًا لهم لمساعدتهم  في الحصول على القروض اللازمة لإقامة البنى الأساسية اللازمة لدفع النمو الاقتصادي، وكانت اندونيسيا أول دولة يزورها، أقام فيها ثلاثة أشهر كانت كافية للتعرف على  كل مدنها الرئيسية، أعد مع زملاء له الدراسات اللازمة لمشاريع كهربائية ضخمة، وقد برع في اللعب بالاحصاءات، ورقي في عمله ونال لقب  "كبير اقتصاديين"، ومن ثم طلب منه زيارة بنما واللقاء برئيسها عمر توريجُس، وقد نجح في توقيع عقود في مجال الزراعة وقطاعات البنية التحتية، ورقي بعدها ثانية، وحمل لقب مدير اقتصاد وتخطيط اقليمي، واشتهر كمحاضر يقدم محاضراته في أهم الجامعات الامريكية بما فيها هارفرد، وأخذت الجرائد المشهورة تطلب منه كتابة مقالات على صفحاتها حول الأحداث المهمة.
تحدث المؤلف مطولًا عن بنما، عن نجاح عمر توريجُس عام 1977 في توقيع معاهدة جديدة مع كارتر انتقلت بموجبها منطقة القناة والقناة ذاتها إلى السيادة البنمية، كما تحدث عن نهايته المأساوية، ونهاية خلفه مانويل نوريغا في السجون الامريكية. وفي نفس السياق تحدث عن سقوط شاه ايران، وذكر حكايات صاخبة عن معارك رئيس الاكوادور جيم رُلدُس مع شركات النفط الامريكية، وعن نهايته المأساوية باحتراق طائرته وتحطمها، وزيادة نفوذ شركة تكساكو وغيرها من شركات النفط من بعده.
استعرض المؤلف شريط اعترافاته كقاتل اقتصادي في دول اخرى، استطرد في ذكر تفاصيل حكايا كثيرة شريرة، ورغم نجاحاته الباهرة، اعترف على مدى فصل كامل في كتابه، بفشل القتلة الاقتصاديين في العراق، وفي الوقت نفسه بين نجاحه المتميز في السعودية، وأنه بفضل دراساته وُقعت عقود مهمة، ساهمت في زيادة تشابك الاقتصاد السعودي بالاقتصاد الامريكي، والطريف في الأمر أنه دفع ثمن هذا النجاح غاليًا، فقد كان عليه القيام بأعمال غير لائقة لبعض اللاعبين المهمين.
رغم قذارة الاعمال التي قام بها مؤلف الكتاب، إلا أنني لاحظت في سياق سرده لقطات تبين صحو ضميره وعدم قناعته بما يفعل ضد الدول النامية، بل حتى عدم رضائه عن تحولات حياته الذاتية، وخضوعه بين الحين والحين لنوبات من الشعور بالذنب  لما يقوم به كقاتل اقتصادي، وقد لفت نظري على سبيل المثال في جانب تحليلي موجز، بأنه أدرك مبكرًا بأن ما تقوم به بلاده لا يساعد المرضى والجياع في العالم، وأن غايتها من وراء ما تقوم به غاية إمبريالية، وأنها تدعي كذبًا بأنها تحمي الدول النامية من تغلغل الشيوعية،لأنها في حقيقة الأمر تنتج أنظمة ترعى العبودية.
ولفت نظري كقارئ أيضا، عدم إخفائه احترامه لرئيس بنما عمر توريجُس، واحترامه لرئيس تشيلي المنتخب ديمقراطيا سلفادرو اللندي، وتقديره الزائد لجيم رُلُدس رئيس الإكوادور المنتخب ديمقراطيًا، الذي عرض عليه أن يقدم له خدماته الاستشارية مجانًا متى شاء، ولفت نظري قناعاته التي عبرعنها بأن أجهزة خاصة من بلده عملت على تصفية هؤلاء الرؤساء، وغيرهم ممن رفضوا الإذعان للحكومة الأمريكية.
هذه مجرد دلالات تحمل في ثناياها مواقف تتعارض مع عمله كقاتل اقتصادي، ولا عجب، والحال هذه، أن يجد طريقه نحو الخلاص والخروج من صفوف القتلة الاقتصاديين، وقد أرجع الفضل في ذلك لامرأة كولومبية، أقنعته بضرورة الغوص في أعماق نفسه، وتوجيه مصباحه الكشاف نحو أعماله وأفكاره وتأملاته... انفرد في لحظة صفو بفتح آفاق واسعة على تجاربه الذاتية، اتسعت عناصر الشك في داخله في حركة لا نهائية لا فكاك منها بكل أعماله، واتخذ قرارًا نهائيا بعدم مواصلة مسيرته كقاتل اقتصادي، وتغيير مسار حياته... استقال من عمله، وكتب اعترافاته بين دفتي كتابه، وأنهى كتابه بكلمات مفادها"... كان الاعتراف، بالنسبة إلي، جزءًا جوهريًا من يقظتي، وككل اعترافٍ إنه الخطوة الأولى إلى الانعتاق... وكتابة الكتاب كانت عاطفية جدا، فتحت نفسي على شعورٍ بالارتياح لم أخبره من قبل قط، شعورٍ أستطيع وصفه بأنه انتشاء."
بهذا تلمس بعد صدور كتابه آفاق دعوة مستنيرة، يقوم بها في الوقت الراهن كناشط من أجل خير الإنسانية على الأرض، يكتب ويحاضر ويحاور من أجل السلام وضد استبداد امبرطورية بلده التي تفرض العبودية والبؤس ضد ملايين البشر.



قد يهمّكم أيضا..
featured

ورقة داعش ومأساة الطائرة

featured

كيف أبقتني "فولا" خارج غرفة السجن حتى السابعة صباحا دون أن أراها أو أكلمها؟

featured

" على حفاري القبور "

featured

إلى روح المربّي الانسان، سيد الرجال محمد طه اغبارية أتعرف كم نحبك..؟!

featured

حبر على ثوب توفيق

featured

صقيع العاصفة والإهمال والظّلم