مئات آلاف العائلات لا تتمكن من توفير حد أدنى من الحاجيات للإحتفال بالأعياد
توجيه التُهم للشعوب التي تتظاهر ضد الاحتلال والاستيطان والقمع الذي تمارسه حكومته ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وصفها بأنها لاسامية ومعادية للشعب اليهودي، ما هي إلا مواصلة لإلقاء قنابل الدخان الإعلامي التي يبرع بها نتنياهو، لكنها ستؤدي إلى خنق سياسته واندثارها
* قادة حركة الاحتجاج لم ينتظروا توصيات اللجنة، ومنذ البداية أكدوا كما أكدنا نحن، أنهم لا يتوخون الخير منها، لذلك لا بد من مواصلة النضال ووضع توصيات بديلة*
عندما قرر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، تشكيل لجنة خاصة لفحص الوضع الاقتصادي – الاجتماعي وذلك في ظل الهبة الشعبية الاجتماعية التي انطلقت في الرابع عشر من شهر تموز الماضي 2011، قُلنا ان الهدف من تشكيل هذه اللجنة هو محاولة امتصاص الغضب الشعبي ضد الحكومة وسياسة نتنياهو الاقتصادية – الاجتماعية التي تدعم أقطاب قوى رأس المال وتضرب حقوق الطبقة العاملة على مختلف أطيافها، والفئات المُستضعفة عامة، ولن يجري أي تغيير في سياسة حكومة اليمين هذه لا في المجال السياسي العام ولا في المجال الاقتصادي – الاجتماعي.
بعد عودة نتنياهو من أروقة الأمم المتحدة، جرى تقديم توصيات اللجنة من قبل رئيسها عمنويل طرخطنبرغ وأعضاء اللجنة لرئيس الوزراء نتنياهو، ولم تحمل أية بشرى حقيقية لحركة الاحتجاج ولم تستجب لمطالبها العادلة.
كعادته رسم نتنياهو على محياه ابتسامته المُزيّفَة، مؤكدا أن الحكومة ستتبنى هذه التوصيات وتعمل على تنفيذها، لكن من يعرف نتنياهو وسياسته يعي جيدا انه يقصد عكس ذلك تماما، وستبقى هذه التوصيات مثل غيرها في هذا الدُرج أو على ذاك الرف.
قادة حركة الاحتجاج لم ينتظروا توصيات اللجنة، ومنذ البداية أكدوا كما أكدنا نحن، أنهم لا يتوخون الخير منها، لذلك لا بد من مواصلة النضال ووضع توصيات بديلة، تم التأكيد من خلالها أن المطلوب هو تغيير جذري في السياسة الاقتصادية وفي سُلم الأولويات للميزانية العامة، وعلى وجه الخصوص، وقف تدفق الأموال لدعم الاحتلال والاستيطان في الاراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها الأراضي الفلسطينية. ووضع حد للتمييز القائم اتجاه الأقلية العربية الفلسطينية الباقية على أرضها.
لا يستطيع أي مسؤول إسرائيلي أو خبير في الشؤون الإسرائيلية أن يتنكر للأزمة العميقة التي تتواجد فيها حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان و"مستشاره الأمني" إيهود براك - وزير "الأمن"، خاصة وأن هذه الحكومة تعيش في دفيئة الشعارات البراقة فقط لا غير،وبالمقابل تواصل سياسة التحريض والتضليل على جهات خارجية وداخلية،وكأن هناك خطرًا داهمًا على حق إسرائيل وشعبها بالحياة،يتطلب منها الاستعداد للحرب القادمة،التي ستكون حاسمة على حد تعبير البعض منهم.
*يمين متحجر*
يقوم قادة هذه الحكومة باستعمال نفس السلاح الذي استعملته حكومات يمينية على مر العصور، من أجل إيجاد مصداقية لسياستها بل لوجودها، يتمحور هذا السلاح في تبني مواقف يمينية متطرفة يجري من خلالها التحريض على أبناء الأقلية التي تعيش في تلك الدولة وعلى القوى التي تحمل الفكر الآخر، أي قوى اليسار، ووصف هذه القوى بـ "الخيانة" وأنها تطعن الحكومة والشعب من الخلف في ظل الخطر الخارجي الداهم.
في ظل هذه الأجواء التحريضية قامت حركة الاحتجاج الاجتماعي طارحة شعارها الكفاحي "الشعب يريد عدالة اجتماعية"، مع كل ما يحمله من معانٍ نضالية، وقد استقطب هذا الشعار قوى مختلفة في الحراك النضالي، لدرجة أن قوى يمينية تتبع في فكرها للحكومة انضمت في مرحلة لاحقة لهذا الحراك،لكن هدف البعض منها سرعان ما انكشف، وهو محاولة إجهاض هذا النضال وزرع بذور التفرقة بين قادة هذه الحركة، بالمقابل واصل قادة وكوادر اليمين المتطرف ومنهم وزراء في الحكومة، التحريض الاعلامي المُنفلت على حركة الاحتجاج الاجتماعي وقادتها، وسط جاهزية واضحة للانتقال إلى استعمال العنف ضد الحركة وقادتها،أو كما ذكرنا - محاولة تخوينهم.الأمر الذي فوّته عليهم قادة النضال.
رغم المعطيات الإحصائية الرسمية التي تؤكد على نمو الاقتصاد الإسرائيلي، وانخفاض نسبة البطالة، وتأكيد البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية على استقرار هذا الاقتصاد، إلا أن الحقائق تؤكد غير ذلك تماما، وهي أن إسرائيل تحتل الأماكن المُتقدمة في نسبة عدد الفقراء الذين يعيشون فيها، في عُمق الفجوة واتساعها ما بين الفقراء والأغنياء، في إرتفاع أسعار سلة الحاجيات الأساسية للعائلة (لدرجة أن مئات آلاف العائلات لا تتمكن من توفير حد أدنى من الحاجيات للإحتفال بالأعياد)، في غلاء أجور السكن وأسعار العقارات والمباني، في عدد الأولاد الفقراء، في شح المصادر المالية لدعم الفئات المسحوقة، وهي كثيرة العدد، وفي أكبر تركيز إقتصادي – مالي لدى عدد لا يتجاوز الـ 20 عائلة،تسيطر على ثروات غير محدودة من : بنوك، مصانع، متاجر وشبكات تسويق، مواد خام، شركات تأمين، صناديق التوفير والتقاعد - الضمان الاجتماعي، وسائل إعلام، مواصلات، تعليم جامعي، صحة – مستشفيات خاصة وشبكات علاج صحي، خدمات اجتماعية، طاقة واتصالات وغيرها، الأمر الذي لا مثيل له في العالم، حتى في الولايات المتحدة.
*موقف حرج*
حدث ذلك التركيز لهذه القوة الرأسمالية – الأقطاب الرأسماليين، في ظل حكومات اليمين الاقتصادي - الاجتماعي، حيث تم تنفيذ سياسة الخصخصة وبيع ممتلكات الشعب لهذه القلة من الرأسماليين، واليوم، وبعد حركة الاحتجاج وتقديم توصيات "لجنة طرخطنبرغ"، يجد نتنياهو نفسه في موقف حرِج، فهو من سهر الليالي على تنمية ودعم هؤلاء الرأسماليين، حيث أطلق لهم الحبل على غاربه، متبنيا سياسة الخصخصة الكارثية، هذه السياسة التي يؤمن بها نتنياهو أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي - الاجتماعي، لدى الأكثرية الساحقة من المواطنين العرب واليهود، وكان لتبعاتها السلبية التأثير الأكبر على تدهور الأوضاع لدى الأقلية العربية الفلسطينية. هذه السياسة التي هدف نتنياهو من خلالها أيضا القضاء على قوة التنظيم النقابي العمالي ومختلف الحركات الاجتماعية التي نشطت من خلال حركات المُجتمع المدني، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد،يضطره مرة أخرى للنطق بما لا يؤمن به، والقول انه مع العدالة الاجتماعية، وانه سيقوم بتنفيذ توصيات اللجنة التي عيّنها للخروج من الورطة التي وجد نفسه شخصيا وحكومته في خضمها، ليُصبح معزولا ليس فقط على الصعيد العالمي بل على الصعيد الداخلي، بقاءه وحكومته في دفيئة الشعارات المُبهرجة، اللامعة ومواصلة توجيه التُهم للشعوب التي تتظاهر ضد الاحتلال والاستيطان والقمع الذي تمارسه حكومته ضد أبناء الشعب الفلسطيني، واصفا هذه الشعوب بأنها لاسامية ومعادية للشعب اليهودي، ما هي إلا مواصلة لإلقاء قنابل الدخان الإعلامي التي يبرع بها نتنياهو، لكنها ستؤدي إلى خنق هذه السياسة واندثارها، خاصة وأن التجربة التاريخية لنضال الشعوب تؤكد لنا فشل هذه السياسة.
