عن "الفوضى الخلاقة"

single

ترتكز امريكا في استراتجيتها على ايديولوجيا مستنبطة من منبعين: الاولى صاغها فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والانسان الاخير" مقسما فيها العالم ما بين عالم تاريخي غارق في الاضطرابات والحروب، وهو العالم الذي يلتحق بالنموذج الديمقراطي الامريكي، وعالم آخر ما بعد التاريخي الديمقراطي الليبرالي على الطريقة الامريكية. وحسب فهمه فإن العوائق في تطبيق الديمقراطية هي عوامل القومية والدين والبنية الاجتماعية . اما الثانية فصاغها صموئيل هنتنغتون بعنوان "صراع الحضارات" معتبرا ان النزاعات والانقسامات في العالم مصدرها حضاري وثقافي . مقسما الحضارة العالمية " المتبقية" الى ثمانية وهي: الغربية والاسلامية والكونفوشيوسية واليابانية والهندوسية والسلافية واللاتينية والافريقية. واعتبر ان النزاعات بين الامم ستحدث بين امم ومجموعات لها حضارات مختلفة . والخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون خطوط المعارك في المستقبل . فهذه الاستراتيجية متوافقة على ضرورة بناء نظام عالمي جديد تقوده "القوادة" بالمعنيين امريكا، والصيغتان تتفقان على معاداة الحضارة العربية والاسلامية باعتبارها نقيضا ثقافيا وقيميا للحضارة الغربية تاريخيا . لذا تضع هذه الاستراتيجية العالم امام خيارين : اما التبعية لتفوقها وجبروتها وامبراطوريتها، واما الفوضى والخراب والصدام والحروب .  ابتداء من حرية السوق تحت شعار "دعه يعمل دعه يمر" حتى خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى سوف تؤدي حتما الى بناء نظام سياسي جديد يوفر الامن والازدهار والحرية! هذا هو علاج الصدمة التي تفترض ان المجتمعات تنتظم بشكل بناء وصحيح بعد الصدمة التي ولدتها الفوضى، وهي لا تاخذ بالاعتبار والحسبان ردات الفعل السلبية . لذا سعت الادارة الامريكية لتغيير العلاقات في منطقتنا في الشرق الاوسط بشكل عام كي تتناسب مع الشكل الجديد للنظام احادي القطب اي بمعنى اهدم كل شيء ونحن نتولى اعادة بنائه على طريقتنا مع الحفاظ على التفوق الامريكي بتوفير الامن والاستقرار والازدهار للمجتمع الامركي اولا ومن ثم للحلفاء واغراق الآخرين بالفوضى والتخلف والحروب الاهلية . ولتنفيذ مآربها تضرب عرض الحائط  بآليات الامم المتحدة وتدوسها حتى يكون تدخلها الاستباقي مباحا واكثر ردعا وسرعة "قوات وبوارج التدخل السريع" ومتطابقا مع مصالحها الامنية القومية . فهذا "الازعر" الامريكي لم يبق من يرده بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتقل ليمارس الفعل الفوضوي "البناء"! بمهارة اللص المتخفي بالاقنعة العديدة المتعددة القاتلة . لقد جربتها باسقاط الانظمة الشيوعية كالدومينو من سقوط جدار برلين حتى مظاهرات مدينة تيميشوارا الرومانية ومظاهرات جورجيا واوكرانيا والعراق وافغانستان وباكستان وغيرها الكثير من دس السم الاميريكي المدمر والمرير . فنجد ان تهديد القوة الاميريكي هو العنصر الحاسم في نجاح هذه المظاهرات التي مثلت شرارة الفوضى البناءة الاميريكية . هذا ويترافق مع نظرية "الفوضى الخلاقة والبناءة" ايضا "غزو العقول" الذي يقوم على اساس الرضوخ الداخلي ضمن دائرة نقاط الضعف لدى الطرف المستهدف. باعتبارها اوتارا حساسة جدا يمكن العزف عليها سيمفونية اكثر اطرابا من تلك التي تقوم على ضجيج النعال العسكرية الثقيلة وهدير " الاباتشي" . فاهدافها بعيدة المدى بالسيطرة على ارادة الانسان من خلال اطلاق شعارات خادعة تشكل قيما مطلقة يتوق اليها الانسان بشكل عام وخاصة في دول العالم الثالث بشكل خاص كالديمقراطية والحريات وحقوق الانسان واختراق القنوات الفضائية وتجييرها لمصالحها والمحطات العربية الماجورة للسياسة الاميريكية وتقديم خدمات التواصل الالكتروني المجاني بين افراد المجتمع لتعبر الايميلات والفيسبوك والمواقع التي تعج بها شبكة الانترنيت، والتواصل المكثف مع النشطاء والحقوقيين والتركيز على بعض المسؤولين الحكوميين والاكاديميين الذين تلقوا تعليمهم في اميركا بالاضافة الى دعم عدد من اطراف المعارضة في البلدان المستهدفة بشكل فردي او مؤسسي الى غير ذلك، مما يحقق الالتقاء الجماهيري والشعبي مع آراء وميول ووجهات وطموحات امريكا في المنطقة وبحيث تستطيع استقطاب الكثيرين الى صفوفها اي الى احتلال من الداخل . كما اعتقدت امريكا ان نموذج الثورة اللاعنيفة في اوكرانيا ستنجح في لبنان بنفس السرعة والفعالية .

 

يقول الفيلسوف الروسي الكسندر ربانارين رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة موسكو الحكومية في مؤلفه "الإغواء بالعولمة": أنه من المقرر استخدام توصيات الداروينية الاجتماعية-الاقتصادية على النطاق العالمي. فعند الاستخدام الموسع لـ "صيغة مدرسة شيكاغو" تظهر العالم مكان المؤسسات أو الفئات الاجتماعية المنفصلة غير القادرة على التكيف (شعوب غير قادرة على التكيف لا ينبغي منحها " قروض التنمية" كي لا تغرق كوكبنا الضيق بمادة بشرية سيئة النوعية. بذلك تغدو الدارونية الاجتماعية الاقتصادية " عنصرية عادية ") . وإذا كان العالم بناءً على هذه النظرية مقسوماً إلى أقلية قادرة على التكيف، وهي تصبح مالكة لموارد الكوكب من غير منازع، وأغلبية منبوذة غير قادرة على التكيف أقصيت عن عملية "الخصخصة - بهدف التنمية والتطور – أفلا ينتظرنا بالتالي خيار العنف القائم على إما عصيان الأغلبية المنبوذة وإما ديكتاتورية " القطب الواحد" العالمية التي تتحضر لقمع هذا العصيان الكامن ... - وتكون النتيجة التي نراها اليوم على أرض الواقع - القبول بنتائج الخصخصة والليبرالية الجديدة أو تحمل ديكتاتورية أمريكا السياسية العالمية، ولكلاهما النتيجة نفسها .وذهب المسؤول السابق في البنتاغون " مايكل ليندي " إلى تسويغ مذهب القوة اللامتناهية، حتى ولو أدى الأمر بالولايات المتحدة إلى أن تقوم كل عشر سنوات باختيار بلد صغير وتدمره، وذلك لغاية وحيدة فقط هي أن تظهر للجميع أنها جادة في أقوالها. وينطلق ليدين من نظرية أنَّ " الاستقرار مهمة لا تستحق الجهد الأميركي "ليحدد بالتالي"المهمة التاريخية" الحقيقية لأميركا فيقول: التدمير الخلاّق هو اسمنا الثاني في الداخل كما في الخارج. فنحن نمزق يومياً الأنماط القديمة في الأعمال والعلوم، كما في الآداب والعمارة والسينما والسياسة والقانون. لقد كره أعداؤنا دائماً هذه الطاقة المتدفقة والخلاقة التي طالما هدَّدت تقاليدهم (مهما كانت) وأشعرتهم بالخجل لعدم قدرتهم على التقدّم.. علينا تدميرهم كي نسير قُدُماً بمهمتنا التاريخية.
إنها إذاً، إيديولوجيا الحرب من أجل الحرب، ما دامت الهيمنة وشغف السيطرة يحكمان الميتافيزيقا السياسية لأميركا مع بداية السنوات الأول للقرن الحادي والعشرين. ومن المنطقي أنّ القول إنّه إذا كان الكمال الأميركي بالهيمنة المطلقة على العالم فذلك ما لا فرصة موفورة لتحقيقه في عالم دخل في سيرورة غير متناهية من عدم الاستقرار فإنَّ منطق الهيمنة يفترض إثارة المزيد من الأزمات ليتسنّى لإيديولوجيا القوة المفرطة أن تواصل ديناميتها بلا وازع. وإذا كان الاستقرار مهمة لا تستحق عناء الأميركيين كما يقرِّر "ليدين" فإنَّ حاصل هذا السلوك هو المضي بعيداً في صناعة الحروب والأزمات. وهو أمر يفترض عناء ومشقَّة من نوع آخر لدى صنَّاع القرار في الولايات المتحدة، أي الاهتمام ليس بالسؤال عمّا إذا كان يجب إحداث اهتزازات في الاستقرار الذي يسود الجيوبوليتيكا المقصودة بالهيمنة، وإنما بالسؤال عن الكيفية التي ينبغي اعتمادها لنزع الاستقرار وإشاعة الفوضى.. ان تجربة امريكا في الشرق الاوسط صعبة وخطيرة جدا جدا فليس من السهل اخضاع المجتمع العربي والاسلامي لعملية الفوضى "الخلاقة " خلال عشر سنوات كما يريد اصحاب هذه النظرية وهو ما جعل بريجينسكي مستشار الامن القومي الامريكي للقول " ان تغيير الشرق الاوسط سيكون مهمة صعبة واكثر تعقيدا بكثير من ترميم اوروبا بعد الحربين العالمتين، فالترميم الاجتماعي يبقى اسهل من التغيير الاجتماعي، ولذلك لا بد من التعامل مع التقاليد الاسلامية، والمعتقدات الدينية، والعادات الثقافية،بصبر "واحترام " قبل القول بان آوان الديمقراطية قد حان في الشرق الاوسط " . ان امريكا بفوضاها تريد التستر على فشلها وازماتها، وما الهدف منها الا ان تصب في خدمة مصالحها، لتكون بناءة وخلاقة لامريكا وهدامة ومدمرة للجميع . " فمصائب قوم عند قوم فوائد " .وستبدي لنا الايام القريبة والبعيدة صدق ما اقول حول التغيرات الجارية ودور امريكا " البناء" ؟!!! فيها اذا لم تتم هذه التغييرات في المس بجوهر الصراع وبدك المصالح الامريكية الامبريالية في الشرق والتخلص منها .
  

*توابل*


يقول ميكافيللي في كتابه (الأمير):
الشجاعة تُنتج السلم
والسلم يُنتج الراحة
والراحة يتبعها فوضى
والفوضى تؤدي إلى الخراب
ومن الفوضى ينشأ النظام
والنظام يقود إلى الشجاعة .

قد يهمّكم أيضا..
featured

التطوّع غير مشروط بـ"الخدمة المدنية"

featured

"خذوا المناصب والكراسي، واتركوا لي الوطن"

featured

الذراع التنفيذية لحكومة الاحتلال

featured

شجاعة في النقد والمواجهة

featured

لماذا تعارض حركة النساء الديمقراطيات قرار رفع جيل التقاعد للنساء

featured

قراءات وسط الحدث خارج التاريخ!

featured

كرة القدم مجددا – انطلاقة مباركة!