التطوّع غير مشروط بـ"الخدمة المدنية"

single

في العديد من الأوساط الفلسطينية في البلاد، يقع البعض في فخ مقولة ان الخدمة هي التطوّع لأجل المجتمع والعطاء له. ويبدو أن الكثيرين ممن يدعمون نقاش الخدمة المدنية/ القومية، يتجهون بالنقاش لانعدام توّفر مشاريع التطوّع. ولكن الصورة أوسع من ذلك بكثير.
قد يعتقد البعض أن للخدمة المدنية/ القومية فوائد بأنها تمنح الشباب فرصة للتطوّع والعطاء للمجتمع، بينما البعض وبشكل خاص الشابات العاطلات عن العمل يرين بها فرصة للخروج من المنزل ومن كبت العائلة في المجتمعات المحافظة كمجتمعنا، الا أن هذا التصور خاطئ في أساسه.  فاذا كانت العائلة تسمح بالخروج لأجل التطوّع لا بد لها أن تسمح بالخروج من المنزل لأجل العمل، وهنا تكمن النقطة الأساسية، وهي مسؤولية الدولة والمؤسسات الحكومية والبلديات في ايجاد أماكن عمل للنساء والشابات العربيات التي تصل نسب البطالة في أوساطهن الى أعلى النسب في الدولة، 81% منهن معطلات عن العمل لأسباب سياسية بالأساس، وهناك أكثر من 13 ألف أكاديمية عربية عاطلة عن العمل.
من جهة أخرى فلا يوجد نقص لدينا في مشاريع تطوّعية، وهناك مؤسسات كثيرة تبادر لمشاريع تطوّعية والتي تلقى اقبالا واسعا رغم شح الموارد المتوفرة لأجل ذلك. مركز مساواة وجمعية التوجيه الدراسي على سبيل المثال ومؤسسات شبابية أخرى يمنحون الفرصة للتطوّع والعطاء للمجتمع، فمثلا ضمن مشروع "سوا" بإمكان الشباب التطوّع لأجل المجتمع عبر مساعدة المسنين، توثيق قصصهم الحياتية، الاستماع لهم والاستفادة من خبراتهم، وبالامكان التطوّع لأجل المحتاجين في مجتمعنا بالتعاون مع مؤسسات كـ"بيت النعمة"، أو مساعدة الطلاب على وظائفهم اليومية وتدريسهم. وحتى بالامكان المشاركة في مخيمات العمل التطوعي الكثيرة التي تنظم في بلداتنا العربية، ويشارك بها العشرات والمئات من الشابات والشباب.
 بالإمكان التطوّع في أي مكان كان، دون أن يكون التطوّع مشروطا بالخدمة، وهذان مفهومان مخالفان ومغايران، فالأول يعني العطاء من دون مقابل، بينما الآخر يأتي من منطلق الإجبار والإكراه وسلب الحريات. وكشعب فلسطيني مسلوب تقريبا من كل الحريات في هذه البلاد، لا يمكن أن نقبل بسلب حرية أخرى لا زال بإمكاننا التعامل معها، هي حرية التطوّع والعطاء لمجتمعنا، دون أن يُملي أي جسم خارجي أو حكومي ذلك علينا!
فبحسب تعريف مؤتمر التنظيمات الأهلية العربية في بيروت لمفهوم التطوّع: "التطوع يتضمن جهودا إنسانية، تبذل من أفراد المجتمع، بصورة فردية أو جماعية، ويقوم بصفة أساسية على الرغبة والدافع الذاتي سواء كان هذا الدافع شعوريا أو لا شعوريا ..ولا يهدف المتطوع تحقيق مقابل مادي أو ربح خاص بل اكتساب شعور الانتماء إلى المجتمع وتحمل بعض المسؤوليات التي تسهم في تلبية احتياجات اجتماعية ملحة أو خدمة قضية من القضايا التي يعاني منها المجتمع". وهو أيضا "نوع من الاختبار الحر للعمل، وقناعة لمشاركة الأفراد طواعية في العمل من واقع الشعور بالمسؤولية" وفق ما أكدته ندوة التطوّع آفاق 2000 في بيروت.
مصطح الخدمة المدنية يعود تاريخه الى السير ريتشارد تريفليان في العام 1854 والذي استخدمه للتعبير عن موظفي الادارة العاملين بالهند تمييزا لهم عن العسكريين والعاملين فى السلك القضائي وسلك الحكومات المحلية، والعاملين من الذين تم اختيارهم عن طريق المنافسة دون من تم تعيينهم لشغل الوظائف السيادية التى تعنى برسم السياسة العامة. المصطلح في كل الاحوال ذو اصل بريطاني بالتالي فقد عُرّفت الخدمة المدنية بأنها مجموع العاملين المدنيين فى الجهاز الاداري وهو مفهوم فضفاض-  يضيق ويتسع وفقا لدستور وتشريعات كل دولة ودولة. في اسرائيل يستخدم هذا المصطلح لتعريف الشبان والشابات الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية (أي بديل لها) ويفضلون القيام بأعمال إدارية ذات منصب منخفض في سلك الدولة. وعمليا لا يزال هذا التعريف منوطا بخدمة الدولة والحكومة ومؤسسات شتى. وبما أن مديرية الخدمة المدنية تابعة لوزارة "الأمن" فلا زال مفهوم الخدمة المدنية امنيا في صلبه.
ربط الحقوق بالواجبات هو خطاب لا أساس له من الصحة، ويجب توخي عدم الوقوع في مغبة هذا النقاش الفارغ. فمكانتنا كأقلية قومية أصلانية، كجماهير فلسطينية هي أهل لهذا الوطن، تمنحها مكانة تاريخية مميزة محمية في كل المواثيق الدولية، وتضمن لها الحقوق الكاملة دون شرط الخدمة العسكرية في أي مكان في العالم، ومثال على ذلك مكانة حقوق الهنود الحمر في أمريكا كأقلية أصلانية، المشمول في دستور الولايات المتحدة، والتي تمنحها تفضيلا مصححا بدون أي حديث عن تقاسم العبء أو التجنيد الإجباري أو الخدمة القومية.
 إن نقاشنا، لا يقف عند هذا الحد، فلا زالت الدولة تشرعن التمييز تجاه جماهيرنا الفلسطينية، بأنها تخصص قرابة الـ6% فقط من ميزانياتها للجماهير العربية، وفقط 7% من الموظفين في الوزارات الحكومية هم من العرب الفلسطينيين، كما يظهر أن اكثر المؤسسات عنصرية تجاه الجماهير العربية الفلسطينية هي تلك الحكومية، والتي ترفض توسيع مسطحات البناء للبلدات العربية، ترفض وصل هذه البلدات بالخدمات كما يجب، ترفض بناء مناطق صناعية وتطوير البلدات العربية، وحتى تسلب المواطنين أراضيهم وتصادر حقوقهم. وتواصل الحكومة مخططات إخلاء الجماهير الفلسطينية من موطنها ومخطط برافر العنصري الهادف لتهجير أكثر من 30 ألف مواطن عربي فلسطيني بدوي من أراضيهم في النقب، وسلبهم إياها. لذلك فإن نقاشنا يجب أن يكون بالمطالبة بالمساواة لأبناء شعبنا الفلسطيني في إسرائيل، وإنهاء الاحتلال والرفض التام لمشاريع التجنيد.
وفي النهاية لا بد من التذكير "أتطوع لبلادي ولا اخدم جلّادي"!

قد يهمّكم أيضا..
featured

للقدس أهل ... يحمونها

featured

تنقية الاجواء العربية على اية قاعدة تجري؟

featured

بديل نضالي لنهج متآمر

featured

سيناريو مفترض للانتخابات المقبلة: كلمة السر "جنرالات"

featured

عُشّاق ومعشوقات

featured

بيبي نتنياهو، أنت المسؤول الأوّل

featured

"داروا سفهاءكم"

featured

رسالتي للعرب في اسرائيل