*بعد ظهور مجموعة جنرالات وأمنيين كبار محسوبين على اليسار الصهيوني، تظهر الآن قيادات عسكرية وأمنية سابقة، أو خلعت البزة لتوها ومحسوبة على اليمين لتهاجم حكومة نتنياهو وتدعوها لكسر الجمود
*استمرار الأجواء القائمة في الحلبة الإسرائيلية قد ينعكس على الانتخابات المقبلة ويجعلها غير محسومة سلفا كما هو الحال اليوم
يتكاثر، في الأسابيع الأخيرة، ظهور جنرالات احتياط كبار، ورؤساء سابقين لأكبر الأجهزة الأمنية والإستخباراتية الإسرائيلية، في وسائل الإعلام الإسرائيلية وفي ندوات إستراتيجية، ينتقدون جهارة سياسة الحكومة الحالية. فإن كان الحديث، قبل أشهر قليلة، عن مبادرة لجنرالات ورؤساء أجهزة أمنية سابقين، محسوبين على معسكر اليسار الصهيوني، فإن الحديث اليوم يجري عمن عرفتهم الساحة السياسية في التيار المتشدد في المؤسسة الرسمية، خلال توليهم مناصبهم.
وهذا المشهد لم يعد حالة منفردة لهذا الاسم أو ذاك، بل كثرت الأسماء التي أحدثت المفاجأة في تصريحاتها، وقد بزّ من بينهم رئيس جهاز المخابرات الخارجية، "الموساد"، مئير دغان، فكيف لهذا الذي وصفته سلسلة طويلة من التقارير الصحفية الإسرائيلية بأنه "دموي"، و"لديه شهوة الدم"، ومن "استأنف العمل بقائمة الاغتيالات" مع توليه منصبه في الموساد، أن ينتقد الحكومة اليمينية المتشددة، من حيث شكل وآلية اتخاذ القرارات فيها، مشددا على ضرورة الامتناع عن مهاجمة إيران عسكريا، وليصل حد الدعوة إلى تبني المبادرة العربية للسلام، وأن تخرج إسرائيل بمبادرة سياسية لكسر الجمود.
لينضم له لاحقا، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العسكرية زئيف فركش، الذي لطالما أعد التقارير السوداوية حول آفاق الحل لتتناغم مع توجهات الحكومات اليمينية التي خدم في ظلها، فها هو يصرح لصحيفة "يديعوت أحرنوت" قائلا، إن إسرائيل قادرة على "حماية نفسها" ضمن حدود 1967، وهذا ما يفند مزاعم بنيامين نتنياهو، أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، التي يزعم فيها أن حدود 67 "خطر على إسرائيل".
ثم يظهر الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية، "الموساد"، تسفي زمير، في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، ليقول، ان ما وصفه بـ "طهارة السلاح" في جيش الاحتلال الإسرائيلي تتراجع، منتقدا إطلاق النار على اللاجئين الفلسطينيين المتدفقين على هضبة الجولان السورية المحتلة، وقال إنه كان بالإمكان نشر معوقات ومنع التدفق وتجنب إطلاق النار.
ومن حين إلى آخر، تجمع وسائل الإعلام الإسرائيلية تصريحات ومواقف لعدد ليس بقليل من الدبلوماسيين البارزين السابقين، ومن يتم وصفهم بأنهم "خبراء كبار" في العلاقات الخارجية وفي القانون الدولي، لينتقدوا نهج الحكومة الحالية، ويدعون حكومتهم للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وفي نهاية شهر آذار/ مارس، خرج عدد من كبار الجنرالات في الاحتياط، ورؤساء الأجهزة الإستخباراتية السابقين، بمبادرة سياسية اقرب إلى مخطط الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ونذكر من بين هؤلاء المبادرين، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق أمنون ليبكين شاحك، ورئيسي جهاز المخابرات العامة "الشاباك، يعقوب بيري وعامي أيالون، ورئيس جهاز الموساد الأسبق داني يتوم، وقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال اللواء عمرام متسناع وغيرهم الكثير من الأسماء التي برزت على الساحة الإسرائيلية، حينما كانت في عملها وبعد خروجها إلى الاحتياط والتقاعد.
وفي مقال سابق هنا، ذكرنا أن هذه المبادرة لم تحظ بالضجة السياسية والإعلامية التي كانت ستقوم في فترات سابقة، وهذا نظرا لكون الغالبية الساحقة جدا من هذه الأسماء محسوبة في الرأي العام الإسرائيلي على الجناح اليساري الصهيوني.
ولاحقا رأينا جمهرة ضخمة من الكتاب والمثقفين والفنانين والسياسيين الاسرائيليين ينظمون حملة توقيع على عريضة، في وسط تل أبيب، تدعو للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولم تشفع المكانة الرفيعة لهذه الشخصيات في الشارع الإسرائيلي لهم لدى الشرطة الإسرائيلية لتحميهم من اعتداء وحشي شنته عليهم قوى اليمين العنصري في ذلك اليوم.
ولكن مشهد الانتقادات لحكومة بنيامين نتنياهو بدأ يختلف لتزداد ألوانه السياسية، إذ بدأت تشمل شخصيات محسوبة على اليمين الإسرائيلي بشكل واضح، ومنها الأسماء التي استعرضناها هنا وليس وحدها.
والاستنتاج الأول الذي بالإمكان الحديث عنه، هو أن هناك حالة قلق في محيط الأجهزة الأمنية والعسكرية، من الشكل الذي تتدهور به السياسة الإسرائيلية، التي رغم اتجاهها الحربي والعنصري على مدى عشرات السنوات، إلا أنه كانت هناك ضوابط معينة، وهذه الضوابط تنهار يوما بعد يوم، على مختلف الأصعد، وبشكل خاص في رأس الهرم السياسي، ومنه إلى الكنيست، والانطباع السائد بين الأوساط العسكرية السابقة، هو أن القوى المتطرفة التي تعزز سيطرتها، أكثر فأكثر، على مقاليد الحكم تقود إسرائيل إلى صدامات هي في غنى عنها، وهذا ما تعبر عنه زعيمة المعارضة الإسرائيلية تسيبي ليفني دائما.
وفي أكثر من خطاب تلمح ليفني إلى أنه في ظل حكومة إيهود أولمرت، التي تولت فيها حقيبة الخارجية، نجحت في تنفيذ مشاريع استيطانية وشن حروب، وفي نفس الوقت كسبت تأييد ودعم دول القرار كلها لإسرائيل، وهذا على عكس ما يفعله نتنياهو، فهو يختار خطابا صداميا مع العالم بأسره، ويُحدث تصدعات في دعم تلك الدول لإسرائيل، كون أن سياسة نتنياهو تحرجها أمام دول أخرى في المنطقة.
وأكثر من هذا، فإن من بين الأسماء المذكورة هنا، أسماء خرجت لتوها من الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولكن من بينها أسماء تركت العمل منذ سنوات، واستنادا إلى حالات سابقة، فليس من المستبعد أن هذه الأسماء تأخذ على نفسها مهمة التعبير عما يفكر به كبار الجنرالات الحاليين، لكونهم ممنوعين من التحدث في مجالات كهذه.
لا يمكن منذ الآن حسم اتجاه هؤلاء العسكريين، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن التعامل مع تصريحاتهم بمعزل عن سلسلة من المؤشرات التي تكاثرت في الأشهر الأخيرة، فهناك من قرر وضع حد لولاية نتنياهو، والمؤشرات تكثر من كبار المسيطرين على الاقتصاد الإسرائيلي، الذين جاؤوا بنتنياهو إلى الحكم، وبشكل واضح، قدم لهم نتنياهو الكثير مما أرادوا، بدءا من تسريع عمليات الخصخصة، وفتح سوق الأراضي والعقارات أمام الاستثمارات، وهذا ما كان مغلقا على مدى أكثر من 60 عاما. والحديث يجري هنا عن الغالبية الساحقة من الأراضي العربية المصادرة، وأراضي اللاجئين الفلسطينيين.
وكما يبدو حتى الآن، فإن هذه الطغمة الاقتصادية باتت تقرأ مستقبلا سياسيا سيئا محليا وخارجيا، سينعكس مباشرة على حركة الاقتصاد الإسرائيلي، وبالذات عالميا، إذ يتذكر هؤلاء عقودا سابقة من القرن الماضي، وبشكل خاص سنوات الثمانين، رغم أن هؤلاء تحالفوا ضمنا قبل سنوات قليلة، مع أشد قوى اليمين المتطرف لإسقاط حكومة إيهود أولمرت، وخلق أجواء تعيد نتنياهو إلى الحكم.
ولكن من الضروري الإشارة إلى أنه ليست كل المفاتيح بيد هذه الطغمة، رغم ان ما في أيديها له تأثيره القوي على السياسة الإسرائيلية، فقوى اليمين المتطرف مستعينة بالتغيرات الحادة في تركيبة المجتمع اليهودي، من ارتفاع نسبة المتدينين وتراجع نسبة العلمانيين، قادرة على الحفاظ على أغلبية برلمانية على المدى المنظور، وفي أي انتخابات برلمانية المقبلة، إلا إذا طرأت أحداث غير منظورة حاليا.
سيناريو افتراضي غير منظور حاليا
جرت العادة في إسرائيل، أنه حينما تخرج شخصية ذات شأن سياسي أو عسكري بموقف مغاير، أو بظهور غير مألوف على ساحة الرأي العام، تتجه الأنظار إلى احتمالات نية هذا الشخص أو ذاك، أو المجموعة الدخول إلى الحلبة السياسية، أو الانضمام إلى حزب قائم، والمشاركة بأي شكل من الأشكال في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ولهذا ليس صدفة أن يختار المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" ألوف بن، عنوانا لمقاله عن مئير دغان "أريئيل شارون جديد"، ومن قبله هناك من توقع ان يتجه رئيس أركان جيش الاحتلال السابق، غابي أشكنازي إلى الحلبة السياسية، وحتى لينافس على زعامة حزب "كديما" المعارض، والأمثلة كثيرة.
وهذا الحال شهدناه أيضا حينما خرجت مجموعة الجنرالات ورؤساء الأجهزة السابقين بالمبادرة السياسية إياها، وقلنا هنا أيضا في حينه، إن لا أمل لهذه المجموعة بتشكيل حزب سياسي، كونها معروفة مسبقا كمن تنتمي لتيار اليسار الصهيوني، ورأينا هذا على ارض الواقع لاحقا، باختيار الجنرال احتياط، عمرام متسناع، للتنافس مجددا على رئاسة حزب "العمل" الذي رئسه لبضعة أشهر بين العامين 2002 و2003.
من الواضح أن الأسماء التي تظهر في الآونة الأخيرة هي أسماء مبعثرة ولا تنتظم في قالب سياسي واحد، وليست كلها من الوجوه المألوفة شعبيا على ساحة الرأي العام الداخلية، ولكن في نفس الوقت، فإن هذه الأسماء البارزة قادرة على بث أجواء مؤثرة على الشارع الإسرائيلي، من خلال استمرار ظهورها الإعلامي والسياسي، خاصة وأن ما يساعد على هذا هو انجذاب الإعلام لهذه الشخصيات التي تتابع تصريحاتها بشكل مكثف.
بطبيعة الحال، فإن هذه الأسماء تسبب القلق ليس لبنيامين نتنياهو وحزبه الليكود وأحزاب اليمين، بل أيضا لحزب "كديما" المعارض، وكذا لحزب "العمل" وغيرهم.
بداية فإن قلق نتنياهو وأحزاب اليمين نابع من كون غالبية الشخصيات التي يجري الحديث عنها هي عسكرية وهناك قابلية شديدة في الشارع الإسرائيلي لاستيعاب ما تقول، وهذا عدا عن أن قسما من هذه الشخصيات يوجه انتقاداته بشكل مركز لشخص نتنياهو، ولهذا ليس صدفة أن تخرج من مقاعد اليمين الحاكم مبادرة لمشروع قانون، هناك شك في احتمالات إقراره، بفرض فترة زمنية فاصلة بعد انتهاء ولاية كل مسؤول عسكري وأمني، ليكون بمقدوره الإدلاء بتصريحات علنية في الأمور التي كان مشرف عليها أو على اتصال بها خلال توليه منصبه، وهذا يعكس حجم الهوس التسلطي بعد العنصري، الذي يسود صفوف نواب اليمين من الائتلاف والمعارضة في الكنيست.
أما قلق "كديما"، فهو بالأساس قلق زعيمته تسيبي ليفني وقلق منافسها شاؤول موفاز، إذ لا يرغبان بدخول لاعبين جدد في حزب "كديما" ينتقصون من مكانتيهما في الحزب وفرص فوزهما في الانتخابات المقبلة.
كذلك الأمر في حزب "العمل"، فظهور نجوم عسكرية سابقة في فلك الحزب تهدد من جديد فرص المتنافسين، وإن بات هذا القلق متأخرا، بعد انضمام متسناع للسباق على رئاسة الحزب.
في حال استمرت الأجواء الحالية، فإنها قد تعيد حالة "الإثارة" للأجواء السياسية، وتساهم في أن تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة ليست محسومة سلفا، كما يظهر الآن، بل قد يظهر جسم وسطي، يعيد ترتيب الأوراق من جديد في الحلبة السياسية.
(عن المشهد الإسرائيلي)
