تطبيع أم تصنيع؟

single

كلمة التطبيع بلهجة الفلاحين الفلسطينيين، لا علاقة لها بالسياسة، ومعناها هو ترويض الحيوانات كي تصبح مؤهلة للاستخدام. لهذا غالبًا ما يسخرون من التداول الفضائي لهذه الكلمة، لأنهم يرفضون أن يكونوا مطايا للمحتل.
وقد تكون كلمة تصنيع هي الأدق في التعبير عن العلاقات غير الطبيعية.
وهناك في عالم السياسة والاستراتيجيات مصانع لاستحضار بدائل لكل ما هو طبيعي، كالبلاستيك مقابل الجلد، والمعادن الرخيصة المطلية باللون الأصفر بديلًا للذهب، والزجاج المصقول مقابل الماس. وما من عصر ازدهرت فيه صناعة الأشباه والبدائل كهذا العصر، بحيث بدت الشركات الكبرى تشكو من الاستنساخ، لكنها عبثًا تحاول استرداد اعتبارها من خلال ما يسمى حقوق الملكية وبراءة الاختراع! 
وحين كتب عبدالرحمن الكواكبي، كتابه الشهير، قبل قرن، بعنوان "طبائع الاستبداد"، لم يخطر بباله أن للاستبداد صنائع أيضًا، وربما كانت الأشد خطورة لأنها إفرازات سامة عابرة للأجيال، وما من سبيل لوضع حد لها.
التطبيع باللهجة الفلسطينية، وبالتحديد لدى الفلاحين، هو علاقة بين الإنسان والحيوان، وليس بين إنسان وآخر من جنسه، لهذا فهم غير معنيين بهذا السجال الذي يثار موسميًا حول التطبيع بمعناه السياسي. وهناك عجوز تجاوزت التسعين من عمرها اختصرت الدراما كلها، حين قالت إن غزاة من مختلف الأجناس حلوا في بلادها ورحلوا، وهي لا يرف لها جفن. وأضافت أنها منذ بلغت العاشرة أي منذ ثمانين عامًا، وهي تتوضأ تحت شجرة رمان في حديقة بيتها، ولم يتبدل لون الماء، كما أن الرمان لم يصبح مربعًا أو مستطيلًا! فالأنهار قد تجف لكن الحجارة والحصى في قيعانها لا تهاجر! 
وقد ذكرتني تلك العجوز الحكيمة بما قالته سيدة فرنسية في أربعينات القرن الماضي، وهي ترى الدبابات النازية تسحق العشب في حديقتها. قالت، إنها تعمق البذور، وموسم العام القادم سيكون أغزر وأبهى!

قد يهمّكم أيضا..
featured

ثورات وأوهام: هكذا ابتلعت أميركا الديموقراطية (2-2)

featured

حزب الله في القصير (1-2)

featured

أصحاب بيت، ببساطة

featured

بانتظار ثمار الحوار

featured

لا أثق بكم حتى لو رجع خاتم جان دارك

featured

التفكير فوق المعرفي وعلاقته بالتَعلم

featured

أيقظتْني ذكراه!