أصحاب بيت، ببساطة

single

 قضت المحكمة العليا الأسبوع الماضي، بأنّ لسكان القدس الشرقية حقوق المواطنين الأصليين. كنتُ منفعلًا، ليس لأنّ القرار سيُحدث اختراقًا فيما يتعلّق بعرب القدس الشرقية، ولكن على كلّ حال، ها هي الحقيقة تُلقي بظلالها على كل التشويهات؛ بعد نصف قرن من الزمان، تعترف دولة إسرائيل بأنّ المواطنين الفلسطينيين أصلانيون. ليسوا غزاة أو عابري سبيل أو نواطير الكرم المرغَمين على النزوح حينما يعود السيّد اليهودي إلى إرثه بعد ألفي سنة. ببساطة، أصحاب البيت.
بعد نصف قرن من الزمان، كانت الدولة من خلال الجيش، الحكومة، البلدية، المتعصبين القومجيين، تعتدي على العرب، والآن يدوّي صوت الحقّ ومن أين؟ بالضبط من بين جدران المحكمة، التي بالأمس فقط صادقت تقريبًا على كل ظلم ضدهم، بدءًا بهدم البيوت واقتحام باحاتهم وانتهاءً بنزع المواطنة. كتب الشاعر طرفة بن العبد يقول: ويأتيك بالأخبار مَن لم تزوّد. "محكمة العدل العليا" هي آخر مكان توقّع الفلسطينيون منه أيّ عدل وإنصاف.
أحببت القدس، إلّا أنني حين أدخلها أشعر بالاختناق، وأريد مغادرتها بأسرع ما يمكن. الكآبة تحوم في الجو، العيون المطفأة تذكّرني بما غنّت فيروز عن القدس بُعيد احتلالها، بعد حرب ١٩٦٧: ”مرّيت بالشوارع، شوارع القدس العتيقة، قدّام الدكاكين البقيت من فلسطين، حكينا سوا الخبرية وعطيوني مزهرية، قالوا لي هيدي هدية من الناس الناطرين. ومشيت بالشوارع شوارع القدس العتيقة، اوقف عباب بواب صارت وصرنا صحاب، وعينيهن الحزينة من طاقة المدينة، تاخدني وتودّيني بغربة العذاب“.
سيمون صباغ مونتيفيوري في كتابه ”القدس: سيرة ذاتية“، يروي أنّ مردخاي غور في حرب 1967، لم يعرف كيف يصل إلى حائط المبكى. عجوز مقدسي أخذه وجنوده إلى باب المغاربة. خسارة! لو سار العجوز بهم خارجًا من حيث قدموا، لكان بالإمكان تجنّب خمسين عامًا من الدم والدموع؛ إلا أن وهن العرب يُغري الشرهين للانقضاض عليهم، وكالرقص في الوحل، يغرقون هم والمحتلون معا. هذا هو الوضع الراهن.
لإسرائيل اليوم مطلق الحرية في فعل ما يحلو لها في القدس، والعالَم وفيه العالَم العربي، صامت. وفي غياب من يلجم إسرائيل، فهي تتمادى أكثر فأكثر، والوضع الآن بمثابة دمج بين الشرّ واللامعقول. زرت القدس قبل شهر تقريبًا، واستولى عليّ شعور كئيب بقدر يفوق المعتاد. يعيش العرب في أحياء مغلقة، دون الحدّ الأدنى من الخدمات البلدية. إنّها محاطة بالجدران، وفي المداخل حواجز شرطية. ماذا يجري هنا؟ ما شعور اليهودي المقدسي الذي يعيش على بعد دقائق من هناك، إزاء هذه المعاناة الإنسانية؟ رقصة التانجو الفظيعة مستمرّة منذ خمسين سنة، بين ما يُدعى محرّرِون (بالكسر) وما يُدعى محرّرون (بالفتح) في ما يُدعى المدينة الموحّدة.
التناقض يسرح ويمرح. في الوقت الذي فيه تُعلن المحكمة العليا هذا الإعلان الدراماتيكي؛ ذراع أخرى في الدولة تمنح جائزة إسرائيل لدافيد بئيري، المدير العام لجمعية إلعاد، التي تعمل على إبعاد العرب عن المدينة. وفي الوقت الذي يصرخ فيه موشه أرنس، وهو من رؤساء الليكود، مُنددًا بالخزي والعار في احوال المعيشية في حيّ شعفاط في القدس، هرول رئيس المعارضة، يتسحاك هيرتسوغ لتهنئة بئيري، وكذلك عضو الكنيست إليعزر شتيرن من حزب ”يش عتيد“، القائل: بئيري يمثّل جمال هذه البلاد. جمالٌ بشِعٌ كهذا، هو من صنع الشيطان فقط.
بعد سنوات القحْط القضائي، التي لم يقدَّم فيها العدل للعرب، كان من الواجب منح جائزة إسرائيل للقضاة الثلاثة الشجعان، إذ أن ضميرهم ثار ضد نهج الإجحاف والظلم.
دافيد بن غوريون نفى الشعور القومي عن العرب، لكنه اعترف بأنّ لديهم مشاعر نحو الأرض. حقًّا، للعرب عاطفة نحو المكان لأنّهم أهله. ثمّة جائزة خاصّة لوزير التاريخ، الذي يشاهدنا من بعيد، وهي ممنوحة لأهالي القدس الشرقية، المتشبثين بأسنانهم، بالبيت والأرض. باسم الجميع، اليهود والعرب، إنّهم ينقذون كرامة الإنسان في المدينة الرازحة تحت المعاناة.


(نشر المقال في هآرتس أيضًا - ترجمة بروفيسور حسيب شحادة- جامعة هلسنكي)

قد يهمّكم أيضا..
featured

يبنون "أمجاد" الدم

featured

رسالة الحزب الثوري

featured

شركاء في الجريمة ضد الانسانية

featured

إسرائيل بين الشارة الحمراء والضوء الاخضر الامريكي

featured

المنبوذات في المغرب

featured

الحجر الذي القي في الماء الراكد

featured

القضية الفلسطينية هي التي صمدت بصمود شعبها