عناق حزين (2-2)

single

كنت طفلا في الصف الرابع الابتدائي عندما سكنتني حيرة و براءة الاطفال وانا مشدوه في درس التاريخ احلم بعظمة صلاح الدين. هل اكون انا صلاح الدين؟ حلم راودني و اشقائي و زملائي بدون استثناء في مدرسة فلسطين و مديرها الفاضل يوسف القط و محمد دكور يسقينا الانضباط و الامانة مروية بعشق فلسطين.  ذهبنا الى الثورة زرافات و وحدانا و بين فصائلها و تنظيماتها توزعنا، كل يبحث عن الطريق الاقصر الى فلسطين، لنكتشف بعد حين اننا جميعا ضحية تعصب و ضيق أفق لم نقتنع به الا متأخرين و لأبنائنا وصاياه تاركين.
كل من يجعل راية حزبه فوق علم فلسطين هو ملعون و فاسق، كل من يحتكر الحقيقة و يتهم الآخرين بالجهل و قلة المعرفة هو زنديق الى ان يأتيه الندم او الموت غفلة فيريح و يستريح. كل من يسعى الى السطلة بحثا عن مجد فانٍ ومال فائض ولأصله متنكر هو دجال لم يتعظ من درس تيمور الاعرج (تيمور لنك) من قبره يلقي عظة للمتكبرين. نعم مات حلم العودة الى ارض فلسطين محررة من المغتصبين. نداء الاهل و الاحبة  في وطنهم مسجونين يفرض على العاقل زيارتهم و تقبيل جباههم و الركوع عند اقدامهم  لأنهم حماة الحضارة و جنود الارض الاولين والآخرين. كذب الزنديق القرضاوي بفتواه تحريم زيارة القدس لم لم يكونوا فلسطينيين، و فقأ عينيه عربي تونسي لما رد عليه انه في فلسطين لزيارة السجين لا من اجل أعين الشجان اللعين.
و أم حنون؛ رؤوم تسألني متى سيعود فلذة كبدي لأمته العين بمحياه و انا من جئت به الى هذه الدنيا ام عساه ينتظر موتي فيأتي الى جنازتي لا حبا بل خوفا من كلام ناس للنميمة محترفين. وما نفع المال ان لم يكن متعة للروح و شقيقاتها من اهل و اصحاب طيبين. ابا اليسار خاطبته قائلا "لا حمار قضى و اخذ خلسه معه" واضفت؛ كان صائب سلام (علم من أعلام بيروت و لبنان) رحمه الله صاحب واجب لا يفوته واجب يدعو ابنه تمام للقيام بالواجب كلما استدعى الامر ذلك. تمام و على ذمة الراوي وهو مصدر موثوق اعتاد ايجاد الاعذار لنفسه للاعتذار. لما تكرر الامر و كاد يصبح عند تمام عادة، ابلغ صائب بيك ابنه ان لديهم واجبا مهما يستدعي ترك الاعمال و الاشغال كافة. اصطحب صائب بيك ابنه تمام الى مقبرة" الباشورة" وسط بيروت القديمة الى اليسار نزلة ابي حيدر  باتجاه ساحة رياض الصلح. عندما دخلا المقبرة خاطب صائب بيك ولده قائلا: انظر الى الراقدين في هذا المكان جميعهم و بدون استثناء كان لديهم مشاغل و اعمال لا تقبل التأخير او التأجيل لكن حكم ربك لا يقبل التأجيل او التأخير. يقال ان تمام لم يرد لوالده طلب واجب مذ ذاك وهو اليوم مرشح لرئاسة حكومة في زحمة تنافس جلبت بين اهل الشأن الخصومات و التباعدات.
عقدنا العزم و اتفقنا ان تكون فلسطين وجهتنا في شهر أيار و كاد رحيل المربي الفاضل من كان للحق حاميا و للصدق منارة نمر مرقس ان يخرب الرحلة و يؤجلها الى اجل غير مسمى. لكن نخوة ابي اليسار اتقدت جذوتها فهاتفني في نيسان قائلا انا مستعد للرحلة و دعمه بحل يعشقه قلبي و اليه تصبو نفسي. الاربعاء، 28 أيار استقبلني أبو وأم اليسار في مطار صوفيا، استقبالا سأفتقده بعد انقضاء اجلي. ليس في الدنيا اجمل و ابهى من عيون يسكنها الصدق و تدفق بالحب تأخذ المرء في رحلة الى شبابه و ايام عز عاشها مكرَّما في حضرة من كان لهم الكرم طبقا صنعه فلاح فلسطيني يقدم عليه طعاما لضيوفه و لشدة كرمه سموه "ابو طبق". هاتف ابا اليسار بقرار السفر قشع الضباب و الاوهام عن لقاء العدو على ارض وطني. بدون سابق انذار اصبحت الصورة تصدح في رأسي، مذ متى يخاف صاحب الحق اهل الباطل؟ غيمة و انزاحت عن الصدر مفسحة لحلم عناق الاهل والارض و لشوق عمره من عمر صاحب الحلم و قبله حلم اهله و عشيرته.
في الرحلة على متن طائرة بلغارية كنا ثلاثة؛ يوئيل عازف العود و حامله في ترحاله، ابو اليسار وأنا. البحر الابيض المتوسط تحت الطائرة الصغيرة  بساط ازرق اعتادت مياهه دغدغة اقدام الطفولة و الشباب. هنا تعلمت فن العوم، على  ذهبية الرمال شواطئ صور الجنوبية نشأت و ترعرت الاحلام منشورة على حبال القيم العربية. بقيت لوقت طويل اعتقد ان حيرام ملك عربي و كنت اعلم علم اليقين ان القوس المبني عند مدخل مدينة صور في البص اقيم بعد غزو الاسكندر لمدينة صور، مرات و مرات سرت و رفاق طفولتي و شبابي على نفس الطريق الذي بلطوه ليسير عليه الاسكندر فاتحا.
لم تنتبني ذرة خوف و قد وطنت النفس لتحمل كل عمل استفزازي، لا مكان للغضب و الانزعاج لحظات ستنقضي و اعانق الاحبة. حسبت نفسي في مطار لندن، كل مظاهر الأبّهة تتوزع المكان وفي اعلى الدرج الكهربائي موظفان امنيان يسترقان النظر الى القادمين ليدققوا في شخصية من كانوا بهم مشتبهين. اوقفوا يوئيل و هو صاحب وجه عربي اصيل وعافية تقول بها صحة شاب صحيح. عند نهاية الممر انحدرنا الى الاسفل في ممر واسع عريض ملحوظ الانحدار، يؤدي الى ضباط الحدودو مدققي جوازات سفر القادمين. ابو اليسار يلاصقني و يسألني ان لا ابتعد عنه. اذهب الى ذلك الضابط و انا هنا عند الضابط المجاور قال ابو اليسار. شاب اشقر نحيل البنية يرتدي قميصا ابيض خلف الزجاج يمعن النظر في جواز السفر. أين ولدت؟ سأل الضابط،  في لبنان أجبت. ما غرض الزيارة و الى عند من انت قادم؟ قبل ان اجيب كان ابو اليسار يقدم الاجابات الشافية و المقنعة للضابط.  عندما شعرت ان الامور تسير الى التيسير و ان لا مكان للمضايقة او التعقيد. خاطبت الضابط قائلا "هلا سمحت .... قبل ان انهي كلامي قاطعني الضابط قائلا: لن اختم جواز سفرك. كدت اصرخ على الجنرالات العرب ان يأتوا و حكامهم لأقرأ عليهم القول المأثور "عدو عاقل خير من صديق جاهل". ما هي الا دقائق و اذا بحقائبنا أمامنا و بقي ان يأتي يوئيل الذي لم يتأخر كثيرا، فكان توقيفه  من قبل ضباط الامن من باب الروتين.
عند مخرج المسافرين كان ينتظرنا الدكتور ماجد فكان عناق حميم و حديث ذو شجون عن الرحلة و ما كان متوقعا من صعاب هانت ربما لأني و ابا اليسار كهلان و عسس البيت الابيض و زمرتهم في البنتاغون يعتقدون مخطئين ان نخوة من تجاوز الخامسة والاربعين من اهل فلسطين عزيمتهم ثبطت، والصحيح انهم بحقيقة العرب جاهلين و انفسهم يشبعونها اوهاما جلبت لهم الخيبة وتلوي السياسة كالثعابين والوان وجوههم من الحرباءة مستعيرين. ما هي الا دقائق و ماجد يقودنا في سيارته على طريق "الشمال" رقم ستة. هل انا متوجه من لندن الى كوفنتري، سألت نفسي، و انا معتاد ان اسافر على طريق "الشمال" رقم واحد. كلا انا في الارض المقدسة التي كان اسمها عبر التاريخ فلسطين، لكن الامم القوية (الامم المتحدة) اجتمعت واجمعت وخيانة قلة بل حثالة نسبوا اصولهم الى عنترة، زهير بن ابي سلمى و خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم نصبوا انفسهم على امة العرب اوصياء هم من وهبوا لأسيادهم الفرنجة فلسطين، و هؤلاء بدورهم منحوها للصهاينة عسى ان يكونوا خازوقا في صدر امة العرب والحضارة الانسانية فسموها اسرائيل.  حلم العودة يتحقق لكنه بكل تأكيد عناق حزين لأن العناق الذي حلمت به اكثر فرحا و ساحاته تخلو من وجوه صفراء تغتصب الحق و تسطر قوانين تحمي المغتصبين.          


     (باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

محمد حسنين هيكل، عقل مصر وذاكرة الأمّة

featured

الهدم وتجربة يوم الأرض!

featured

أهلا أهلا مزوز

featured

دولة في مزاد علني

featured

بدون مؤاخذة - جريمة الكرك ليست عفوية

featured

عدوانٌ مجرم مخطط سلفًا

featured

وضع سياسي مأزوم.. وسلام عليك يا أبا سلام!!

featured

شباب 15 آذار والمصالحة الوطنية الفلسطينية