محمد حسنين هيكل، عقل مصر وذاكرة الأمّة

single

أخيرًا ترجل الفارس عن صهوة قلمه، وقد لازمه ثلاثة ارباع قرن ظل خلالها "عاشقا لمصر"، وهو الذي عرفناه من خلال مقاله الاسبوعي "بصراحة" في جريدة "الاهرام" المصرية. فعندما كنت طالبا في المدرسة الثانوية، كنا ننتظر يوم الجمعة لان مقاله كان يذاع بالفعل في اذاعة القاهرة و"صوت العرب". وكنا نأتي يوم الاحد الى المدرسة لنتناقش نحن الطلاب فيما بيننا حول مقال هيكل، لأنه كان بالنسبة لنا شيئا مهما ولأننا رأينا فيه غذاء فكريا وروحيا، يعطينا متنفَّسا ويزودنا بمعلومات لم تكن تتوفر لكاتب صحفي غيره. ولأهمية مقاله الاسبوعي الذي نشره في "الاهرام" على مدار سبعة عشر عاما، تحت عنوان "بصراحة"، كان العالم كله يهتم بهذا المقال، حتى ان السفارات الاجنبية في القاهرة كانت تبعث مندوبين عنها الى المطبعة عند منتصف ليل الجمعة لتكون بين ايديها الاعداد الاولى من "الاهرام"، ثم تقوم بابلاغ حكوماتها بفحوى مقال هيكل، حيث اعتبروه مدخلا لقراءة السياسة المصرية الرسمية.
وحين يكون الاهتمام بأقوال "الاستاذ" الى هذا الحد، فهذا دليل على ان الرجل كان اكبر من كاتب صحفي عادي لإطِّلاعه على التفاصيل الداخلية التي كانت تشغل بال قائد ثورة 23 يوليو، جمال عبد الناصر. وهيكل كان اكثر المقربين من جمال عبد الناصر، الذي التقاه للمرة الاولى في عراق سويدان والفالوجة في النقب، حين كان جمال عبد الناصر يقاتل هناك في حرب فلسطين كرئيس اركان الكتيبة السادسة مشاة، وكان محمد حسين هيكل مراسلا حربيا شابا جاء لتغطية الحرب العربية الاسرائيلية الاولى. وفي تلك المهمة الصحفية التي شغلها هيكل التقى بالملك عبد الله بن الحسين. ووصل به الامر ان جاء، كما ذكر في احد احاديثه، الى بلدة "الجديرة". ويمكن اعتبار اللقاء الذي سمح به ظرف تاريخي، والذي جمع عبد الناصر وهيكل في عراق المنشية وعراق سويدان والفالوجة، بأنه كان وراء ذلك التلازم الذي ظل قائما بين ناصر وهيكل طيلة الوقت، حيث اصبح اكبر من مستشار صحفي له وإنما مطلعا على افكاره. وكان يكتب له خطبه الرسمية بعد ان يحدد له الاطار العام لها والجوانب المحيطة بها. كما ان كتاب عبد الناصر، "فلسفة الثورة"، هو من صياغة محمد حسنين هيكل وبلغته الجميلة الرائعة والبليغة في نفس الوقت. وهو اسلوب هيكل الذي تميز به، فقد طوّع اللغة كما يريد.
والأستاذ هيكل استطاع ان يقفز الى عالم الصحافة، ولما يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، فعمل مراسلا حربيا ابان الحرب العالمية الثانية، والتقى المارشال مونتغمري في العلَمين، وسافر بعد الحرب العالمية الثانية الى اليونان وغطّى من هناك الحرب الاهلية في اليونان. كما سافر بعد عام 1950 الى كوريا، حيث قام بتغطية الحرب الكورية. وفي عام 1951 كان في طهران لتغطية ثورة الدكتور محمد مصدق ضد شاه ايران، حيث ظهر بعد ذلك اول كتاب له "ايران فوق بركان"، وعاد الى القاهرة ليصبح رئيس تحرير مجلة "آخر ساعة" المصرية. وعمل في جريدة "اخبار اليوم" لصاحبيها مصطفى وعلي أمين. كما اصبح في العام 1957 رئيسا لتحرير جريدة "الاهرام"، التي كانت على وشك الافلاس وهي اعرق جريدة في مصر والشرق الاوسط (تأسست عام 1876). ودخل هيكل "الاهرام" وفيها 300 عامل وموظف، واستطاع بعد عام واحد ان يعيد التوازن الى هذه الجريدة بعد انقاذها من الافلاس. وخرج عام 1974 من "الاهرام" كأكبر صرح اعلامي في مصر، وكان فيها ستة آلاف عامل وموظف. واعتبرت هذه الجريدة ايام رئاسة هيكل لإدارتها من افضل واهم عشر صحف على مستوى العالم كله. وهذا ان دل على شيء، فانما يدل على الدور البارز الذي قام به الاستاذ هيكل في مجال العمل الاعلامي الناجح.
وهو يعدّ، اضافة الى كونه اعلاميا ناجحا ذا اسلوب متميز في الكتابة، مفكرا كبيرا، وكانت له قدرة هائلة من التحليل اعتمادا على ثقافة واسعة وعلى شبكة اتصالات قوية مع كل قادة وزعماء دول العالم المتعددة تقريبا، الملوك والرؤساء وزعماء التحرير الوطني وقادة الثورات. وقد توفر له كل هذا نتيجة قربه من جمال عبد الناصر، ثم لكونه جديرا جدا بهذه الادوار التي قام بها.
كان هيكل صوتا عروبيا قويا، اهتم بقضايا الامة، وظل مخلصا لهذا الفكر وهذا الانتماء. وكان يعتبر الأمن القومي العربي أمنا قوميا لمصر، ولم ينجرف مع التيار وإنما كان له رأيه الخالص. وقد سمّاه "الرأي المختلف". وستظل مؤسسة "الاهرام" تفخر بان هيكل هو الذي أقام فيها "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية"، وهو اهم مركز عربي حتى الآن.. كان هيكل يطلع ويقرأ كل جديد يصدر عن ثمرات المطابع الاوروبية في العلوم السياسية والاستراتيجية. وكان يرافق جمال عبد الناصر في كثير من زياراته السرية والعلنية. ولكثرة اطلاع الرجل، فقد كان موسوعة في كل شيء. واهم من ذلك فقد امتاز بذاكرة الكترونية، وكنا نراه لساعات طويلة على شاشات القنوات الفضائية وهو يسرد احاديثه، لا يتلكأ او يتلعثم او يتعثر. وكانت تخرج كلماته موثقة بالتواريخ، وبأسماء الشخصيات التي يتحدث عنها، وكأني به بنك معلومات.
 وهذه الظاهرة في هذا الرجل الفذ، لا يمتاز بها الكثيرون كما انها لا تتكرر، فالعبقريات لا يجود بها الزمان كل يوم. وكان هيكل ابرز هذه العبقريات ليس على المستوى العربي، ولكن على المستوى الانساني عامة. وكان الرجل يحظى باحترام اينما ذهب وعلى كل المستويات، لنبل اخلاقه وسعة ثقافته واهمية ابحاثه وافكاره. وهناك عشرات الكتب التي اصدرها وقد آثر الاعتماد على التحليل الدقيق، مع ابراز الوثائق. لهذا كانت ذات صدقية كبرى، ومرجعية عالمية.
وسيظل هذا الرجل بعد وفاته، مثلما كان في حياته، معينا لا ينضب للدارسين والباحثين عن الحقيقة لأنه كان مدرسة حقيقية. ومدرسته في الاعلام تعتز انها خرّجت مئات وآلاف الصحفيين المصريين والعرب الذين تجد بصمات هيكل في اسلوبهم وفي كتاباتهم. وانا شخصيا اعتبر نفسي بأنني واحد من الذين رأيت في الاستاذ والمفكر محمد حسنين هيكل استاذا لي، وهو الذي حببّني بصاحبة الجلالة منذ كنت طالبا على مقاعد الدراسة الثانوية. ولكن المجال لا يسمح لي في هذا المقال السريع والقصير ان اتحدث عن كل الجوانب التي تشكل شخصية هيكل، لان ذلك يحتاج الى عشرات المقالات القادمة. ومن المهم ان انهي هذا الحديث عنه بالإشارة الى ان هيكل هو اول من عرّف جمال عبد الناصر بقادة الثورة الفلسطينية، رفاق "ابو عمار". ففي الحادي والعشرين من آذار عام 1968، وتحديدا يوم معركة "الكرامة" الخالدة، كان في القاهرة فدائي من "فتح"، هو الشهيد خالد عبد المجيد، وكان عند الاستاذ هيكل في مكاتب جريدة "الاهرام". وقد تابع مع هيكل سير المعركة، واستعان به لمعرفة طبيعة المقاتلين من "فتح"، وعلى رأسهم ياسر عرفات، في تلك الساعات المصرية. وقد اقترح هيكل على خالد عبد المجيد ان يعرّفه بجمال عبد الناصر، وكانت فرصة نادرة لفدائي فلسطيني ان يلتقي الزعيم والقائد العربي الكبير. وبعد تعيين موعد اللقاء مع عبد الناصر في منزله بـ"منشية البكري"، ادخله هيكل الى سيارته ومضى به الى منزل عبد الناصر. وحين وصلا الى باحة المنزل رأى هيكل ان خالد عبد المجيد يخلع سلاحه ويلقيه في سيارة هيكل. فسأله: كيف يمكن لفدائي فلسطيني ان يترك سلاحه؟ قال خالد عبد المجيد للأستاذ هيكل: لا ادخل عليه بسلاح..! وكانت تلك اولى العلاقات بين عبد الناصر والثورة الفلسطينية، حيث توّجت بان قام عبد الناصر بعد ذلك باصطحاب ياسر عرفات له في زيارة له لموسكو، وهناك عرّفه بالقادة السوفييت..! 
قد يهمّكم أيضا..
featured

للمرأة في يومها العالمي تحية احترام وتقدير

featured

جدلية الحوار الحضاري

featured

تصعيد احتلالي في القتل

featured

ليتوقف العدوان على غزة

featured

سوريا: من يدفع نحو اشتعال المنطقة؟

featured

بالتهديد البلطجي العدواني لا يمكن انجاز تسوية!

featured

أوباما - تحدّيات مزدوجة: الإرهاب وإسرائيل