جدلية الحوار الحضاري

single

لا شك أن الثورة المعلوماتية الكبرى، والتي تعتبر شبكة الانترنيت هي رمزها البارز، أسهمت في تبلور تواصل حضاري عالمي يعتمد بالأساس على الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية والاتصال المتطور.
هذا التواصل الحضاري، بكل مكونات الحضارة، يؤدي الى العديد من التطورات الايجابية منها والسلبية في المجتمعات المختلفة من ناحية إجتماعية، ثقافية، علمية، سياسية وبالطبع اقتصادية.
وفي نفس الوقت هذا التواصل يثير في الواقع اشكاليات متعددة منها، شروط حوار الحضارات في جميع هذه المجالات، وكذلك يطرح السؤال هل الحوار المتكافئ والمتبادل بين الحضارة الأوروبية الامريكية العلمية التكنولوجية وفي أعلى مراحل تطورها السياسي- المرحلة الامبريالية- والحضارات التقليدية في باقي دول العالم ممكن؟
الجواب على هذا السؤال ليس فقط ممكنا، بل موضوعيا وضروريا وقائمًا ويفرضه تطور العلوم والاقتصاد الرأسمالي الامبريالي العالمي من خلال عولمة رأس المال- عولمة القهر والاستبداد، ويتطور بشكل عميق وعابر للحدود والقارات، وبهذا يحمل طابعًا جدليا ثوريا أمميا، لأن التفاعل والعلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية في عالمنا المعاصر، عالم عولمة القهر والاستبداد يؤدي الى تناقضات تفرض على الجميع الدخول في صراع وفي نفس الوقت حوار حضاري جدلي، وأحد مركباته الصراع الطبقي على مستوى الدول وعلى مستوى عالمي.
وهذا الواقع يفرض على ممثلي الحضارات التقليدية للشعوب المختلفة من رجال سياسة وثقافة واجتماع واقتصاد أن يخرجوا من دائرة الاوهام والتأويل والتدين الزائف والتعصب ورفض الآخر، ومن دائرة التخلف، من أجل الدخول في عالم الفكر والدمقراطية العلمانية، هذا العالم الذي يعتمد على الاقتصاد المتطور تكنولوجيا ومعلوماتيا، لا بل عالم التقدم الإنساني بكل ميادينه.
وما يجري في عالمنا العربي من صراع بين المحافظين بشتى ألوانهم الرجعية، السياسية والدينية وبين من يؤمن بأهمية النضال الشعبي الواسع من خلال فكر تقدمي وطني إنساني أممي من أجل بناء مجتمعات العدالة الاجتماعية والتعددية السياسية، يعكس حقيقة مؤلمة وهي ان التيارات الرجعية في العالم العربي لم تهزم حتى الآن، لذلك ما زلنا نتمزق ونحترق ومن خلال صراعات داخلية، ونعاني من هيمنة امبريالية صهيونية عالمية، تهدد مستقبل هذه الامة، أي الأمة العربية بكل فسيفساء مكوناتها.
وهذا ان دل على شيء فهو تعبير على اننا ما زلنا في ضياع المناظرات والاوهام والتأويل والتقوقع، وتشويه التاريخ، وبأننا لم نعبر بعد عتبة التخلف، لكي نحلق في آفاق الحرية والتقدم والارتقاء بإنسانية الإنسان الى أعلى القمم.
لذلك أقول بأن الحوار الحضاري البناء والتقدمي والثوري الإنساني ضرورة موضوعية وملحة ودائر منذ زمن بعيد ويتعمق ويتواصل أكثر في عالمنا الرأسمالي الامبريالي المعاصر من خلال الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، وأيضا هيمنة رأس المال العالمي. لذلك فالحوار وفي نفس الوقت الصراع الحضاري في عالمنا غير متكافئ، ذلك ان الحضارة العلمية والتكنولوجية الغربية الرأسمالية ما تزال في مركز القوة، وهي صاعدة ومتطورة بقوة الدفع التي استمدتها منذ قرون، منذ الثورة الصناعية في اوروبا، والتي خلقت أنظمة اقتصادية متطورة، حيث نشأ على هذه القاعدة الاقتصادية بناء فوقي ثقافي سياسي فلسفي اجتماعي متطور. فالبناء التحتي الاقتصادي يحدد بشكل موضوعي مدى تطور البناء الفوقي الفكري الحضاري لأي مجتمع، مع اعترافنا وعلمنا بأن هذا التفاعل هو جدلي، حيث كذلك البناء الفوقي الفكري للمجتمع يؤثر أيضا على البناء التحتي الاقتصادي لأي مجتمع.
لذلك نرى بأن قيم الحداثة الغربية تتمثل أساسا في العقلانية والعلمية، وهذه ايجابياتها، ولكن أيضا تتمثل بالفردانية والصراع الطبقي وهذه سلبياتها، أي سلبيات الحضارة الغربية الرأسمالية، في حين ما زالت الحضارات التقليدية بما فيها الحضارة العربية الاسلامية في غالبيتها غارقة في أنماط التفكير غير العلمية، الميتافيزيقية الدينية المتعصبة، تمزق الأمة الواحدة الى طوائف وقبائل وعائلات (وإلا ما معنى أن يقول أحدهم بأن الأقباط هم وراء الأحداث الأخيرة في مصر وأقصد الإطاحة بحكم الاخوان ورئيسهم مرسي).
والجميع يعلم بأن الغالبية الساحقة من الدول العربية تسيطر عليها وتسودها نظم شمولية استبدادية غير دمقراطية تنادي وتمارس تطبيق الشريعة كما يحدث في السعودية. وحتى هذه الدول العربية الغنية بسبب عائدات النفط لم تستطع ولم تنجح في اقتحام ميادين العلم والتكنولوجيا الحديثة التي تستوردها من الغرب، ولم تستطع تسخير هذه التكنولوجيا الحديثة للقيام بالتنمية البشرية المتكاملة لأبناء الشعب الواحد او الأمة الواحدة، بل أدت الى تعميق التمييز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والطبقي بين ابناء الامة الواحدة والدين الواحد.
لذلك نقول بأهمية الحوار والصراع الفكري ونحن في بدايات الألفية الثالثة، لنؤكد أهمية الإنفتاح الجدلي على الآخر، من اجل تعميق التعاون العلمي والثقافي والسياسي والاقتصادي ومن اجل التعريف بالذوات الحضارية لهذا الشعب أو ذاك، وأيضا من اجل التعرف على الآخر المختلف حضاريا، فالحوار الحضاري أضحى عملية ضرورية موضوعية من أجل اسقاط الآراء والمواقف والصور النمطية الجامدة سواء عن الذات أو عن الآخر، لكي نصل في النهاية الى صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية، التي تأخذ في اعتبارها التنوع الانساني الخلاق وفي نفس الوقت التركيز على القواسم المشتركة بين الحضارات المختلفة في العالم.
فعولمة رأس المال والثورة الاتصالية الكبرى، التي يتعمق مجراها وخاصة في العقود الأخيرة، أدت ليس فقط الى توسيع نطاق الاتصال الإنساني بغير حدود، بل كذلك أدت الى تعميق الصراع الطبقي وتحوله الى صراع عابر للحدود والقارات وكل هذا يساعد في النهاية على خلق حضارة عالمية كبناء فوقي لعولمة رأس المال، وستساعد في تقليل المسافات بين البشر وبين الطبقات المكونة للمجتمع الانساني وستحول الصراع الطبقي الى صراع عالمي، يعمق التفاعل الإنساني وحينها بشكل موضوعي وكحتمية تاريخية سيرفع شعار "يا عمال العالم اتحدوا" من أجل احداث الثورة الاجتماعية الكبرى والانتقال بالمجتمع الإنساني الى حضارة إنسانية تحترم إنسانية الإنسان وتبني مملكة الحرية على الأرض.

قد يهمّكم أيضا..
featured

العدالة الاجتماعية والحرية - الهدف المنشود

featured

رسالة ونداء لعاملاتنا وعمالنا: صوتنا للقائمة المشتركة قوة لحاضرنا ومستقبلنا

featured

عن أي عالم اسلامي يجري الحديث طلبًا للاغاثة؟!

featured

ألذكرى السنوية لرحيل المربي زهير الفاهوم

featured

الإخوان المسلمون وتدمير العمل السياسي والنقابي

featured

نحو إستراتجية فلسطينية جديدة لاستعادة مكانة القضية الفلسطينية