نحو إستراتجية فلسطينية جديدة لاستعادة مكانة القضية الفلسطينية

single

لا زالت تعيش المنطقة حالة من المتغيرات العاصفة الناجمة عن انفجار غضب الشعب الذي رزح لعقود طويلة تحت وطأة الاستبداد والظلم، وقد انتفضت الشعوب العربية بدءً من تونس وصولاً لمصر و سواها من الدول العربية الشقيقة ترفع شعار لا للظلم والاستبداد لا للتبعية ولا للخضوع لهيمنة صندوق النقد الدولي وسياساته، لذا انتفضت الشعوب من اجل التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية،وقد نجحت معظم شعوب المنطقة االعربية في كسر حالة الاحتباس التي رزحت تحتها،لكنها حتى هذه اللحظة لم تتمكن من تحقيق ما تصبو إليه من تحقيق للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، خاصة بعد أن سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بالتحالف مع بعض الجهات والقوى لقطع الطريق على تطلعات الشعوب ومحاولة اختطاف نضالها وركوب موجتها بل وحرف نضالها عبر تحالفات تتضح معالمها يوما بعد الاخر، إن هذا الواقع المتغير فتح أفاق النضال بإشكال المتعددة نحو التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إن ما حصل وما زال يحمل في مضمونه على المدى البعيد تقاطعا وتكاملا مع نضال شعبنا الفلسطيني من اجل تحرره واستقلاله، وبهذا المعنى ينظر الشعب الفلسطيني إلى الربيع العربي باعتباره ربيعا ديمقراطياً سيقف حتما إلى جانب شعبنا وقضيتنا في مواجهة الاحتلال.

وبهذا المعنى يمكننا القول إن مكانة القضية الفلسطينية والوضع الفلسطيني برمته سيتأثر بما يجرى من تغيرات عاصفة تشهدها المنطقة وسيكون لهذه التأثيرات اثر تختلف درجة ايجابيته ارتباطا بالقدرة على فهمها وكيفية التعامل معها، وفي هذه الأوقات بالذات اعتقد انه لا يخفى على أحد أن القضية الفلسطينية تمر بوضع صعب يمكن وصفه بالخطر والدقيق خاصة بعد أن وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود وما زالت حكومة الاحتلال تصر على استئنافها في محاولة منها لذر الرماد في عيون العالم وإغراق العالم في وهم أنه هناك عملية سلا م جارية، إن وصول المفاوضات إلى طريق مسدود قد دفع القيادة الفلسطينية لاتخاذ قرار هام يقضي بوقف المفاوضات وعدم العودة لها دون وقف كل إشكال الاستيطان ودون مرجعياتها القانونية المتمثلة بقرارات الشرعية الدولية، كما اتخذت قرارا استراتيجيا في أيلول العام الماضي يقضي بالتوجه للأمم المتحدة ومنظماتها كافة لخوض نضال دبلوماسي وطلب الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية المستقلة،هذا المسار توج بتقديم طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية في 23 ايلول الماضي من قبل الرئيس أبو مازن، وقد حقق ذلك نقلة سياسية مميزة للقضية الفلسطينية من مكان متدني على الأجندة الدولية إلى مكان متقدم، واستطاعت م.ت.ف أن تحرز تقدماً ملموساً في هذا المضمار و أهمها الاعتراف بفلسطين بمنظمة اليونيسكو والاعتراف بها في منظمة الهندسية العالمية وأيضا من قبل البرلمان الأوروبي في الشراكة من أجل الديمقراطية، لكن من الملاحظ أن الضغوط الكبيرة التي مورست لعدم مواصلة هذا المسعى أدت إلى تجميد أو تعليق السير بذلك، بل قادت للذهاب غير المبرّر إلى مفاوضات أخرى تحت مسمى اللقاءات الاستكشافية الخمس التي انتهت دون أي نتيجة،وما قدمه أسحق مولخو للوفد الفلسطيني لا يتعدى كونه سفاسف لا يمكن التعاطي معها وكذلك كان الأمر مع مفاوضات الرسائل، وقد فهم حينها بأنها كانت تهدف قطع الطريق على التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، ومن ثم جرى تجريب وسيلة أخرى لتحريك المفاوضات وعرفت بمفاوضات الرسائل حيث أرسل الرئيس أبو مازن رسالة هامة لنتنياهو تحدد المطالب الفلسطينية وقد جاء الرد الإسرائيلي عليها بعد 28 يوما مسبوقا بمسالتين هامتين الأولى تشكيل حكومة اتحاد وطني في إسرائيل والثانية أنها ترافقت مع الإعلان عن بناء الآلاف الوحدات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية.

كما انه تزامن مع معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها الأسرى داخل السجون وقد ناقشت القيادة الفلسطينية هذه الرسالة وحسنا فعلت بقرارها المضي قدماً في توجهها للأمم المتحدة والإصرار على عدم استئناف المفاوضات دون وقف الاستيطان وتوفر المرجعية الدولية والإفراج عن قدامى الأسرى، بمعنى أدق فإن القيادة الفلسطينية تدرس بجدية وآمل أن تقرر فعلا التقدم مرة أخرى للأمم المتحدة لطلب الاعتراف بدولة فلسطين، وهذا يتطلب إستراتيجية ترتكز على ثلاثة عناصر:

العنصر الأول المضي قدما باتجاه تنفيذ أتفاق المصالحة هذا الاتفاق الذي ينهي خمس سنوات من الانقسام وهذا يتطلب الإقلاع عن كل أشكال المماطلة والتسويف، وضرورة تطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة وإعلان الدوحة والعودة للسماح للجنة الانتخابات المركزية بعملها وتحديث السجل الانتخابي في قطاع غزة، ويقوم الرئيس ابو مازن على الفور ببدء تشكيل حكومة الوفاق الوطني تقوم بمهام إعادة إعمار غزة و إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن مع انتخابات المجلس الوطني، وفي هذا المجال فإن المصلحة الوطنية تقتضي استثمار حالة الوحدة الشعبية الرائعة التي تجلت في نصرة الأسرى وإحياء الذكرى الرابعة والستون للنكبة وقبل ذلك في إحياء ذكرى يوم الأرض.
 
أما العنصر الثاني في الإستراتيجية فيتمثل بضرورة تشكيل جبهة موحدة لقيادة المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه، وزج كل الطاقات في هذا المجال و خصوصا أن الاستيطان يتغول في الضفة الفلسطينية والمخطط الإسرائيلي وسيلتهم ما يزيد عن ثمانية وخمسون بالمائة منها،وعزل القدس وتحويلها إلى كانتونات،فبدون الوحدة الوطنية وبدون جبهة وطنية موحدة للمقاومة الشعبية فإن الاستيطان سيبتلع القدس وسواها،سواء في منطقة الغور وغيرها.
 
العنصر الثالث يتمثل بالمضي قدماً باتجاه مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وكل المنظمات والهيئات الدولية لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين طبقا للقرار 194، وتوظيف الجهد الدولي الداعم والمتضامن مع قضيتنا العادلة خصوصا الأحزاب والقوى الصديقة في كل العالم التي تقف إلى جانب شعبنا وعدالة قضيته في هذه المعركة الهامة. إن هذا يعني سحب الغطاء عن الاحتلال وتحويله إلى قوة غازية،تجيز للشعب الفلسطيني مقاومته بكل الأشكال،ويعني أيضا أن بإمكان الدولة الفلسطينية التي تعترف بها الأمم رفع قضايا جرائم حرب على قادة الاحتلال،كما يعني هذا حسم حدود الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس،و أن أسرانا داخل المعتقلات الإسرائيلية هم أسرى حرب، و المضي قدما دون تردد ودون خنوع ودون خضوع أو مماطلة 
 
أما العنصر الرابع والهام،فيتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، وضرورة العناية بها والإسراع بتفعيل دورها وتعزيز مكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني،وذلك من خلال تفعيل الإطار القيادي الذي تم الاتفاق عليه بالقاهرة ووضع كافة الأمور أمامه ليتحمل مسؤولياته في كل ما يختص بشعبنا وقضيته العادلة، بذلك يمكن أن تستعيد القضية الفلسطينية مكانته وتتهيأ للتفاعل والتكامل مع المتغيرات الايجابية التي تعبر عنها ثورات الربيع العربي وما يمكن تتركه من أثار ايجابية على قضيتنا الوطني على مختلف الصعد.

 


*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

حقوق المعتقلين، حقوق إنسان

featured

ضعف الحق وباطل القوة ومعركة الانتخابات

featured

الى اين توجّه اسلحة حكومة اليمين المتطرف؟!

featured

قاتل ناهض حتّر من حزب التحرير

featured

في الثقافة والسياسة

featured

فصول مجهولة في تاريخ الحركة الوطنية

featured

عن خطف الطائرات واشياء اخرى