// كان المرحوم الجد حبيب شاهين أبو نمر من الرجال الاقوياء وكان معلم عمار يبني العقود وقد ولد ايام الاستعمار التركي لفلسطين، كما عاصر كثيرا من سلاطين الترك الذين اذاقوا عرب فلسطين مرارة العيش وسرقة لقمة الخبز من اطفالهم كأي استعمار في العالم وكانوا يسمون انفسهم بخلفاء الاسلام، أي انه استعمار ديني .
وقد عاش طويلا حتى سنوات الستين من القرن الماضي وجاوز عمره الـ 105 سنوات وكان يملك بندقية في ايام النكبة، وحدث أن جاء اثنان لشراء البندقية احدهما من جارتنا كفرياسيف وكان في خلاف مع بعض العائلات وقد دفع ثمنها 30 ليرة، والشخص الثاني متسلل من لبنان اصله من قرية عمقا جارتنا وقال له "ابو نمر لقد تركت اولادي في المخيم وجئت متسللا الى فلسطين لبيتنا في عمقا لآخذ اموالا خبأناها داخل البيت عند الهجيج ، وأنني لم اجد اثرا للبيت بعد ان سكنه ناس من اليمن، وقد واجهت الموت عدة مرات بالطريق، واريد ان اشتري البندقية للدفاع عن نفسي عند العودة، وكل ما معي هو ليرة واحدة اردت شراء الخبز للأولاد، فأخذ الجد الليرة وقال لضيفيه سأروي لكما قصة هذه البندقية:
يوم طلبت الثورة من الوطنيين من شعبنا الفلسطيني شراء السلاح لمن استطاع، اشتريت هذه البارودة ورحت اتدرب عليها حتى تعلمت اصابة الهدف، وكان رجال الثورة يدربوننا، وأصبحت من رجال أبو نايف مشلب. وكنت اخرج مع الثوار لمهاجمة الجنود الانكليز يوم يقتضي الامر وباقي الايام كنت اعمل في بناء العقود.
وفي احد الايام طوق الجيش الانكليزي القرية ليقبض على الثوار ففر من فر والقي القبض على الباقي وكنت من بينهم، واتوا بي الى ساحة القرية للتحقيق معي وكان هناك ضابط انكليزي يعرف العربية بشكل جيد، وصار يتحدث معي بلطافة حتي افشي له عن مكان الثوار، فقلت في نفسي: " ليك ليك حية التبن بفكر حالوا فصيح هالثعلب" وقلت له انا لا اعرف مكان الثوار وهاي اهل البلد هنا اسألهم فانا كل ما اعرفه هو بناء العقودة، واذا اردت ان تعمر دارًا هات الاجار قبل ان نبدأ.
فغضب الضابط الانكليزي من استهزاء أبو نمر وهدوئه وعدم خوفه من الجيش الانكليزي ولا من ضباطه، فقال الضابط بعصبية اخو الـ ... يوجد عندنا اخبارية انه يوجد عندك بارودة سلمنا اياها ونتركك فقلت لهم ما عندي بارودة فانا لست بحاجتها للعمل في العمار فهي لا تعرف ان تجبل الطين ولا ان تعمر العقودة، قال له هذا بهدوء مما اثار عصبية الضابط الانكليزي، فقال له الضابط: عندنا شهود عليك اشبحوه، وبدأ بعض الرجال من القرية يطلبون مني، اما شفقة علي او انهم عملاء للانكليز، ان اسلمهم البارودة، فقلت لهم كل واحد معاه كلمة يضبها انا ما عندي بارودة ولا اعرف استعمال السلاح.
وعندها اقدم الجنود الانكليز واوثقوني بحزام البندقية.
فقال لي الضابط:" لا نريد البندقية نريدك ان تسب الثوار".
فقلت له: أي هم الثوار قاتلين ابوي لماذا اسبهم، وبدأ الجلد وكان كلما اغمي علي يرشونني بالمياه الباردة وعندما افتح عيني يقول الضابط: قل اس ام الثوار، فاقول لهم: اس ام الملك تاعكم، اس ام الانكليز، وهكذا كلما تعبوا من الضرب يرتاحون ويشربون القهوة، ساعة بعد ساعة حتى نهاية النهار ولم اعترف على البارودة وعلى على الثوار، ولم اشتم الثوار ولا الثورة العظيمة، وعلمت بعد ذلك ان الغضب بدأ بين شباب القرية فقام الضابط الانكليزي لف ذيله واخذ جنده معتقدأ انني مت.
وقام اولادي نمر وذيب حملوني الى البيت وغطوني باللحاف معتقدين انني مت. وربك كبير ما مت وفي ثاني ليلة اتى الثوار بقيادة ابو نايف مشلب وكانوا يقبلونني وانا اشعر بدموع الرجال على وجهي ويقولون لاولادي هذا اخونا وأبونا.
فوجه ابو نمر كلامه الى الكفرساوي وقال له يا كفرساوي شو بتقول، فقال له الكفرساوي هاي بندقية شريفة وهاي لابن عمقا لانها خُلقت للدفاع.
فقام الجد بإعطاء البندقية لابن عمقا ورد له الليرة.
كان رحمه الله اقوى من الصخر وعندما كانوا يسألون ايام الانتخابات لمن ستصوت كان يقول ضاحكا فش غير المسكوب الحمر.
