لا اكشف سرًّا ولا آتي بجديد اذا قلت إن وضعنا السياسي هنا مأزوم ومهزوز، ويفتقر الى القيم والمبادئ والتعاطي السياسي الواقعي، إلا في حالات استثنائية ولدى بعض الاطراف للأسف الشديد.
ولست هنا في مجال تقييم شامل، لان هذا يحتاج الى عدة مقالات، ولكن اقتصر حديثي اليوم حول نقطتين فقط: موقف الاحزاب والحركات والاطر السياسية من لجنة المتابعة، ثم موقفها من الحرب العدوانية الخليجية- الامريكية ضد الشعب اليمني المظلوم.
فالذي نراه ان لجنة المتابعة العاجزة ومنذ اكثر من عام غير قادرة على ايجاد رئيس لها، كما ان مواقف الكثيرين تثير الكثير من التساؤلات لانها غير بريئة وان جاءت بلبوس "الديمقراطية". فالتجمع، والاسلامية بشقيها، وابناء البلد وتصريحات متنفذيها، كل هؤلاء لا ينفكون يتغنون "بالانتخاب المباشر" لهذه اللجنة من قبل الجماهير مباشرة. ويبدو للوهلة الاولى ان هؤلاء "الديمقراطيين" لديهم الوصفة السحرية لتفعيل لجنة المتابعة بالشكل الصحيح. ولكن لم يقولوا لنا كيف ستجري هذه الانتخابات؟ ومن الذي سيشرف عليها؟ ومن الذي سيمولها؟ وهل هناك حقا امكانية عملية لاجراء مثل هذه الانتخابات، مع ان لجنة المتابعة ليست برلمانا او مجلسا تشريعيا؟ مع العلم ان الانتخابات البلدية، والانتخابات العامة في اسرائيل، وبالرغم من ملاحظاتنا عليها، إلا انها افرزت الى حد كبير ممثلين منتخبين لهذه الجماهير، والمقاطعون "المبدئيون" ظلوا كما كانوا على الدوام في حيّز الهامش الصغير.
ولكي اكون صادقا مع نفسي ومع جماهير شعبنا، فان مطلب الانتخاب المباشر للجنة المتابعة هو كذبة كبرى وانسلاخ عن واقع الجماهير. فلجنة المتابعة هي وعاء جامع، ومظلة لا اكثر لكل الاطر والاحزاب والحركات. ويجب التركيز على الامور التي يجب ان تعالجها في اطار اجماع وطني وشعبي، قائم على الثوابت الوطنية. وكل حرف لهذه اللجنة عن هذه الاهداف هو مضيعة للوقت، وعمل غير جدي يخفي في طياته اهدافا اخرى لأجندات بعيدة عن تطلعاتنا.
واذا انتقلنا الى الموضوع الآخر، وهو الموقف من الحرب العدوانية على اليمن فانه من العار ان لا تخرج كافة الحركات والاحزاب العربية بموقف صريح وواضح من هذه الحرب، وادانتها والوقوف الى جانب الشعب اليمني.
وهنا لا بد من الاشارة والاشادة بالموقف الصحيح للحزب الشيوعي، الذي كان وحيدا ضد هذه الحرب ومنذ يومها الاول، وكانت جريدة "الاتحاد" هي الجريدة الوحيدة التي وقفت مع هذا الشعب المظلوم دون تأتأة او تلكؤ. اما باقي الاحزاب، والكثير من الكتبة الذين ملأوا افواههم ماء، فان موقف اللا موقف لديهم، او موقف المؤيد للحرب بشكل غير مباشر عند البعض لا بد ان يثير لدينا الكثير من التساؤلات. فهل اصبح المال الخليجي، المستفيد منه البعض، هو الذي يملي عليهم المواقف، ام ان اليمن لا يعنيهم؟! وقد كانت جماهيرنا على الدوام، ومنذ ايام الحكم العسكري، مع كل حركات التحرر الوطني في العالم. لقد كانت جماهيرنا في سنوات الزمن الجميل تغني للاحرار في كل مكان، في اعراسها ومناسباتها كافة. لقد غنينا لكوبا فيدل كاسترو، ولثورة الجزائر. وناصرنا ثورة الجنوب العربي في اليمن. ووقفنا مع شعب الفيتنام ضد الوحشية الامريكية. لقد كنا مع عبد الناصر وحركته الوطنية التحررية، وكنا مع منظمة التحرير والثورة الفلسطينية، كما كنا على الدوام مع هبّات شعوب الامة العربية. اما ان تنعقد الألسن اليوم، وتتوارى الاصوات المنددة بالعدوان على اليمن، فهذا نفاق كبير ووضع سياسي مأزوم، وحالة من حالات الاهتزاز السياسي، ولا مبرر لاحد على هذا التخاذل. فسبحان مغير الاحوال..!!
* وداعا محمد أبو إصبع (أبو سلام)
في يوم الاحد، السابع عشر من هذا الشهر، ايار، تلقيت ببالغ الاسى والحزن نبأ رحيل الصديق الكبير، والمناضل الكريم محمد أبو إصبع (أبو سلام) احد اهم الرموز الوطنية الثورية الاصلية في طيبة بني صعب.
لقد عرفت هذا الرجل في مطلع شبابي، عندما كنت طالبا في مدرسة الطيبة الثانوية. وبالرغم من فارق السن بيننا الا انه جمعتني به صداقة حميمة تقوم على التقدير والاحترام المتبادل، عرفته لاول مرة في مكتبة المرحوم عبد الحميد أبو عيطة (أبو عصام)، حيث كنت اتردد كثيرا على هذه المكتبة وانا في الصف الاول الثانوي، حيث كنت اجد لديه الكتب القيمة والكتب السوفييتية. وكنت آخذ عدد جريدة "الاتحاد" ايضا من هذه المكتبة. والذي زاد في اعجابي بالراحل محمد أبو إصبع ان احد اصدقائي، من طلاب الطيبة، قال لي في ذات مرة، وهو الاستاذ حسين عبد الحفيظ جبارة: ان صديقك ابا سلام هو ثائر حقيقي، قلت له: كيف؟ قال: هل تعرف قصته مع الحكم العسكري؟ قلت له: لا. قال: جاءت عساكر الحكم العسكري ذات مرة لاعتقاله، فما كان من امه الا ان اخفته في "خشّة" صغيرة، واغلقت عليه الباب. وحين سألوها عن ابنها قالت لهم انه غير موجود. لكنهم لم يصدقوها، فما كان من "أبو إصبع" الا ان هتف وبصوت مدوّ من مخبأه: يسقط الحكم العسكري..!! وخرج من المخبأ وانطلق نحو عساكر الحاكم العسكري، وهو يزأر كالاسد في وجوههم: يسقط، يسقط الحكم العسكري..!!
وكان هذا دافعا لي للاقتراب اكثر من هذا الرجل، الذي كنت ترى في عينيه الاصرار والتصميم، وفي وجهه الوقار والتحدي، وفي ابتسامته الحنو والرقة، وفي نبراته الدعابة ولطف الكلام. رجل، كان للسيدة الجليلة والدته فضل كبير على تربيته وبقية اخوانه: المرحوم الشاويش، وعبد العزيز، وعبد القادر (أبو نار). وتوطدت علاقتي بهذه العائلة الكريمة المناضلة، لا سيما ان الاخ عبد العزيز أبو إصبع كان الاقرب اليّ فكريا، حيث كان احد رموز حركة "الارض" في الطيبة، مع المناضل صالح برانسي. وبالرغم من ان هذا البيت كان يحوي التعددية، الشيوعي والناصري، الا انه كان بيتا وطنيا شريفا مناضلا، كل واحد يحترم قناعات الآخر. ومما زاد في توطيد علاقتي بالراحل أبي سلام هو ذلك اليوم المشهود 19.9.61، حيث خرجنا نحن طلاب المدرسة الثانوية في مظاهرة كبرى ضد مقتل الشباب العرب الخمسة على حدود غزة والتمثيل بجثثهم. وانضم الى هذه التظاهرة الشيوعيون والقوميون وجميع اهالي الطيبة. واذكر انني في تلك المظاهرة القيت أول خطاب لي أمام الجمهور، وفي اليوم التالي نشرت جريدة "هبوكر"، التابعة للتقدميين الذين اصبحوا فيما بعد وقبل ان يندثروا "الليبراليين المستقلين"، خبرا لمراسلها في الطيبة كان فيه تحريض عليّ. وجاءني في اليوم التالي بمراسل الجريدة للاعتذار مني.
ومنذ ذلك اليوم ظلت علاقتي مع أبي سلام علاقة المناضلين في الخندق الواحد، فسلام عليك، وسلام لك يا أبا سلام..!!
