كلمة لرجال الدين المحترمين

single

والمقصود في العنوان جميع الأخوة ومن جميع الأديان والمذاهب العربية هنا. (بالمناسبة، عملا بضرورة المساواة في اللغة، أردتُ القول "رجال ونساء الدين"، لكنكم تعرفون بئس حال المساواة هنا أيضًا).

 

 

في الصورة: شعار في اجتماع موسّع للجنة المبادرة العربية الدرزية (أرشيف)

 

  • مشروع التجنيد الجديد يجب أن يفشل لأنه يرمي الى أهداف خطيرة أوّلها تعميق تقسيم وشرذمة جماهيرنا العربية الباقية في وطنها. ومثلما أن تجنيد العرب الدروز قبل عقود لم يُدفع بحاجات أمنية وإنما بغايات سياسية مشتقة من عقيدة الاستعمار الأبرز: "فرّق تسُد"، فإن تجنيد المزيد من الشبان من سائر طوائفنا العربية يقع في هذا الاطار بالتحديد وبالضبط.

  • من الواجب توجيه رسالة واضحة الى جميع رجال الدين، تنبههم ممّا قد تُقدم عليه السلطة من مخططات حقيرة، كالتجنيد، دون أن تتورّع عن توريطهم فيها بشتى الوسائل الماكرة والكاذبة. فتاريخ هذه السلطة يعجّ بالسياسات السافلة، وهي لم تغيّر جلدها ولا قلبها بعد؛ فنحن جميعًا نُرسم على مهدافها كخطر ديمغرافيّ، بل إن بعض الرؤوس الأمنية المريضة تصفنا بالخطر الاستراتيجي الأكبر

  • إن الشأن السياسي شديد الخطورة على الدوام، وكم بالحري في حال كحالنا: أقلية هي جزء من شعب هجّرت السلطة الاسرائيلية معظمه ودمرت معظم بلداته ثم فرضت لاحقًا عام 1967 احتلالا عسكريا اجراميا على من لم تُطبِق عليه كماشة 1948.. ولذلك، يجدر بالجميع عدم التهوّر ولا الهرولة ولا السلوك بلامبالاة ولا الطفو على أي شبر ماء أو غيره من سوائل.

 

 

 

 

 

 


إن أصداء القضية التي كشفتها "الاتحاد" والمتعلقة بمحاولة (أخرى!) لتجنيد شباب عرب لجيش الاحتلال الاسرائيلي، لا زالت تتفاعل. وعلى الرغم من أهمية الآراء القائلة بضرورة وضع المحاولة في حجمها، فإن سلوك السلطة بذراعها الأمني المتمثل في الجيش والشرطة، يتطلب فعلا البحث عن حجمها الحقيقي الملائم. وهو ليس من القطع الصغير بالمرة. فالتعليمات بالتحقيق مع، وملاحقة قادة معارضة المشروع، صدرت عن مسؤول كبير في وزارة "الأمن" هو "رئيس القسم الأمني-الاجتماعي". أي أن المسألة ليست مجرد اجتماع في "متناس" لتبادل الآراء حول مكانة المسيحيين، كما صرّح أحد رجال الدين الذين شاركوا في الاجتماع. أصلا، فإن هدف ذلك القسم في وزارة "الأمن"، كما يعرّفه على موقعه في الانترنت، واضح وصريح: "رفع الدافعية للتحضير لجيش الدفاع الاسرائيلي، تذويت القيم ومحبة البلاد". أيّ دفاع؟ وأية قيم؟ إنها ليست قيم السلام والمساواة والعدالة بالطبع. إنها "قيم" الاستيطان والتوسّع التي تقوم عليها عقيدة تعرّف العربي على أنه العدوّ.
ومحبة البلاد تلك؟ كيف تُمارس بالضبط؟ بالنهج العسكري؟ معقول؟
نحن بنات وأبناء هذه البلاد، نحب بلادنا دون حاجة لوسائط السلطة، خصوصًا العسكرية منها. فلا تلك هي قيم أبناء وبنات الوطن العرب ولا هذه هي "قصة حبهم" لبلادهم. بل إنها قيم تشكّل جزءا أساسيًا في صنع مأساتنا.
مشروع التجنيد الجديد يجب أن يفشل لأنه يرمي الى أهداف خطيرة أوّلها تعميق تقسيم وشرذمة جماهيرنا العربية الباقية في وطنها. ومثلما أن تجنيد العرب الدروز قبل عقود لم يُدفع بحاجات أمنية وإنما بغايات سياسية مشتقة من عقيدة الاستعمار الأبرز: "فرّق تسُد"، فإن تجنيد المزيد من الشبان من سائر طوائفنا العربية يقع في هذا الاطار بالتحديد وبالضبط. أو كما يقول المؤرخ بروفيسور قيس فرو: إن الهدف من تجنيد الدروز بشكل خاص لم يكن بناء على حاجة أمنية أو عسكرية إسرائيلية خاصة، بدليل أن الدور الذي أنيط بالمجندين الدروز كان هامشياً للنهاية، بل ان قادة إسرائيل استهدفوا بهذه الخطوة الطوائف الدرزية في لبنان وسورية بناء على مخطط صهيوني قديم يرمي إلى تقسيم العالم العربي إلى كيانات طائفية. (محاضرة ألقاها في لندن، نشرت "الاتحاد" تقريرا عنها، آب 2012).
لقد حاولت المؤسسة الحاكمة عندما فرضت كارثة التجنيد على العرب الدروز استخدام رجال دين لتمرير مخططها. ويبدو من المعلومات المتوفرة أنها تقوم بنفس المحاولة اليوم أيضًا، بغية تجنيد عرب مسيحيين. والمعروف أن رجال الدين المسيحيين رفضوا في الستينيات الضلوع في هذا المخطط، ومثلهم أخوتهم العرب الدروز، وهذا على الرغم من محاولات السلطة وعملائها إشاعة وتكريس فرية أن شيوخ الدروز وافقوا على مخطط التجنيد، بل طلبوه! ومن المهم الاشارة هنا الى ما يؤكده بروفيسور فرّو، الباحث الأبرز في هذا الشأن، بهذا الخصوص. فقد نفى في المحاضرة المشار اليها أعلاه أن  يكون شيوخ الدين الدروز وقعوا على وثيقة تؤيد تجنيد الشباب الدروز في الجيش الإسرائيلي، وقال إن هذا الادعاء كاذب وعار عن الصحة، بل على العكس فإن شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل في ذلك الوقت الشيخ أمين طريف عارض التجنيد الإجباري للدروز. وقد جوبِه الشيخ، كما يقول بروفيسور فرّو، بمهاجمة إسرائيلية قيّدت من حركته ومنعته من الاتصال مع شيوخ الطائفة الآخرين، بل ان الحكومة الإسرائيلية عمِدت لمنع الدروز، الذين هم  مذهب إسلامي منبثق عن المذهب الإسماعيلي، من الاحتفال بعيد الفطر، وذلك في محاولة لسلخهم عن مجتمهم العربي الإسلامي.
يجب إيراد هذه المعطيات في السياق الراهن، أولا، لأن تجنيد الدرزي أو المسلم أو المسيحي الفلسطيني، يقع في الإطار نفسه: محاولة ضرب وحدة انتماء العرب الفلسطينيين في وطنهم. كذلك، يُقال هذا الآن لتوجيه رسالة واضحة الى جميع رجال الدين، تنبههم ممّا قد تُقدم عليه السلطة من مخططات حقيرة دون أن تتورّع عن توريطهم فيها بشتى الوسائل الماكرة والكاذبة. فمن الواجب التأكيد أن تاريخ هذه السلطة يعجّ بالسياسات السافلة، وهي لم تغيّر جلدها ولا قلبها بعد؛ فنحن جميعًا نُرسم على مهدافها كخطر ديمغرافيّ، بل إن بعض الرؤوس الأمنية المريضة تصفنا بالخطر الاستراتيجي الأكبر. وهي تحاول التخلّص من هذا "الخطر" اليوم بزيادة تفتيتنا طائفيًا، وتحريض هذا الجزء منا على الاحتماء بجهازها العسكري في مواجهة ذلك الجزء منّا. وإذا كان الترانسفير بات أقل إمكانية للتطبيق اليوم، فإن مشروع الطوأفة هو البديل الحقير الراهن أمام السلطة.
يجب علينا أن نطالب ونهيب برجال الدين جميعًا الحفاظ على اليقظة والحذر وأن يتذكروا دومًا تلك الحكمة التي "تحذّر من نوايا السلطان". فالسلطان الاسرائيلي لا تهمه مصلحة أيّ عربي هنا، لا بصفة فردية ولا جماعية، وهو لم يبدأ حتى بإثبات العكس لنا! ولذلك، فإن جميع مشاريع التجنيد التي يتم تسويقها، وبشتى العناوين البرّاقة التي قد تغشي البصر والبصيرة لدى البعض، هي مشاريع مُدانة وليست مشبوهة فحسب. ومثلها مشروع تكريس التجنيد المفروض على العرب الدروز من خلال احتفالات مهينة بمشاركة رجال دين في مقامات أنبياء محترمة، يجب ابقاءها بعيدًا عن مستنقع السياسة السلطوية. يجب التعلم من سيرة "السلف الصالح" الذي رفض الخوض في هذه المياه السياسية الآسنة، كما ورد أعلاه.
إن الشأن السياسي شديد الخطورة على الدوام، وكم بالحري في حال كحالنا: أقلية هي جزء من شعب هجّرت السلطة الاسرائيلية معظمه ودمرت معظم بلداته ثم فرضت لاحقًا عام 1967 احتلالا عسكريا اجراميا على من لم تُطبِق عليه كماشة 1948.. ولذلك، يجدر بالجميع عدم التهوّر ولا الهرولة ولا السلوك بلامبالاة ولا الطفو على أي شبر ماء أو غيره من سوائل. فما تواجهه جماهيرنا أخطر وأعظم من أن يسمح أيّ كان لنفسه بفرض المزيد من المشاريع القاتلة على هذه الجماهير، بذريعة البحث عن رفاهية شخصية فارغة أو غيرها. وتفضلوا الى قرانا العربية الدرزية لتروا حجم الرفاهية الكاذبة التي وُعدت بها كوعد إبليس إياه! ويجدر التأكيد في الختام على ما كتبه الرفيق عصام مخول ("الاتحاد"، الجمعة 2.11): "إن مشاركة عدد من رجال الدين في الاجتماع المشبوه الذي عقدته المؤسسة الأمنية الاسرائيلية مؤخرا، مع مجموعة من الشباب العربي المسيحي في الناصرة، تحتاج الى تقديم تفسير واضح، وإلى الاعلان عن انسحاب واضح من هذه اللطخة، حتى لا تحوم الشبهات حول ضلوعهم في مشروع خطير للترويج للخدمة العسكرية في الجيش الاسرائيلي". فلا يمكن لنا جميعًا أن نسمح لأحد بالتهاون في مسائل بهذه الخطورة، لأنها تطال وحدة ومستقبل ومصير ووجود شعب بأكمله.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جمال عبد الناصر في قلوب الملايين

featured

سنعيد البهجة لتمّوز... وسننتصر!

featured

مطلوب بوعزيزي وفادية حالا

featured

حوار فلسطيني في عمان

featured

إذا لم تصل المياه.. الأغوار على أبواب كارثة

featured

الاستيلاء على البيوت والعقارات العربية في عكا، فهل الدور اليوم على الناصرة؟!

featured

بـاقـون..<br> إما عليها وإما فيها !