حوار فلسطيني في عمان

single

عمان مدينة وعاصمة عربية جميلة وأصلية أهم ما يميزها نظافتها وأخلاق أهلها الهادئة كنسمات الغروب فوق هضابها الكثيرة وأحيائها الممتدة على مدى البصر. عمان عربية أصيلة شرقية الملامح والهوى كانت وستبقى رغم كل الظروف. مما لفت انتباهنا أيضا كُثرة سيارات الأجرة ورخصها وأمانة سائقيها وقد كان لنا هذا الحوار مع احدهم في زيارتنا الأخيرة.
سألني من الأخ؟ أجبته من شفاعمرو في الجليل، وأنت؟ سألته. فرد من حيفا. كيف؟ اسأل نفسي ويكمل السائق حديثة وقد تغير صوته وآتاني كهاتف من بعيد فيه حنين وحسرة: "أنا فلسطيني من حيفا. ترحلت مع أهلي سنة 48 وكنت ولدا شقياً اركض والعب في أزقة الوادي ومسالكه الضيقة وأساعد العائلة في أعمالها وأسبح في شواطئ حيفا وأزور الكرمل والخضر عليه السلام ووادي الجمال ووادي الصليب وساحة الحناطير والباصات القديمة وعربات الخيل وجامع الاستقلال حيث احتفلنا في ليالي العيد. ما زلت اذكر وادي النسناس حيث سكنا جيدا وكأننا رحلنا البارحة.. أتعرف الفرن في بداية الوادي؟ هل مازال قائما؟.. مازلت أذكر حتى اسم البقال والجزار وبائع الخردوات وأسماء وسمات أترابي الصغار الذين ضاعوا في الضياع الكبير مثلي. تَصَور يا أخي ما زلت أحفظ مفتاح بيتنا هناك وعدة كواشين لعقارات كانت لأهلي في حيفا وعكا. أصبحت في هذا العمر والزمن يمر ولا يرحم أحدا يهرب من أماننا ولا يتذكرنا.
تنهد عميقا وقدم لي سيجارة وأشعلها لي وله وأخذ نفسا عميقا عُمق بحر حيفا ثم تابع كلامه مع رشفات الدخان المتطاير: "أعمل كما ترى سائقا بهذا العمر بعد أن شًردتنا حرب الخليج من الكويت.. يا ربي.. مفتاح وبضعة كواشين ماذا أصنع بهم قل لي بربك؟". لم يترك لي مجالا للكلام وتابع: "هل تعرف حيفا كيف هي اليوم؟ لابد أنها تغيرت.. رحم الله جدي الذي غادرنا مبكراً، دفناه في الصحراء وكان يحلم بقبر في مقبرة الاستقلال قريبا من بحر حيفا. نعم غادرنا  الله يرحمه وترك لنا مفتاحا وبضعة كواشين". قال ذالك ببسمة مبلولة بحرقة كاوية ظهرت على تقاسيم وجهه وجبهته التي تعرت من الشَعر كما تجردت حياته من كل شيء. أوقف السيارة عند هدفنا ورفض الأجرة ديناراً كاملاً. ًًًًحاولت دفعه له أجرة الطريق وهو يردد "عيب يا رجل خليها علينا.. وحياتك مفتاح وعدة كواشين.. سلم لي على حيفا وعلى وادي النسناس وعلى الكرمل والبحر". نزلنا بدورنا وتركناه يدور في شوارع عمان عله يلقى قرنفلته الحيفاوية الضائعة بين الدروب. صباح الخير لحيفا وبحرها وكرملها والى أهلها في جهات الدنيا الأربع وصباح الخير الى جريدة الاتحاد وعامليها التي أصبحت منذ زمن من معالم حيفا وتاريخها.


قد يهمّكم أيضا..
featured

عقلنة شعارات الشارع

featured

نقسم بشرف الأمة أنك مظلومة ولكن...

featured

لماذا لم يُشكّل جيش شيوعي عربي (وأممي) لمقاتلة "المجاهدين" الأفغان؟

featured

هل ستحافظ الثورة الشبابية العربية على مستوى المرأة في الميدان وتطور مكانتها

featured

توفيق طوبي.. لا للتجنيد الاجباري

featured

كلام فارغ فى وقت ضائع

featured

فرصة حقيقية لإرسال اليمين الفاشي الى مزبلة التاريخ

featured

عدوان خليجي لتقسيم اليمن