سنعيد البهجة لتمّوز... وسننتصر!

single

في مثل هذه الأيام من عام 2006، كنت مقيماً في مدينة سيدني، أستراليا. كانت حرب تمّوز، وكنت كأمّ الصّبي. نصف قلبي مدمّى على أبناء وطني الأمّ، ونصفه الآخر يرقص فرحاً. بودّي استعادة النصف الثاني. لأول مرّة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، شعرتُ في بيئتي الأسترالية أنني عربيّ غير مهزوم. أو هكذا أشعرني المحيط المتأثر جداً بالإعلام الغربي، ومنه الأسترالي "المردوخيّ".
 حتى نظرات العنصريين للعربي تغيّرت. لم يعد فيها إنساناً حقيراً. ونظرات رفاقي اليساريين تغيّرت. لم يعد فيها المغلوب الدائم على أمره.
 كنت أقرأ على وجوه عرب أستراليا وأستراليي العرب انتشاء لم يسبق له مثيل. الصهاينة "يخبطوننا" ولكننا "نخبطهم" أيضاً. كان السؤال الأكثر شيوعاً على ألسنة الرفاق والأصدقاء الأستراليين: "طمئني...هل ما زال لدينا صواريخ"؟! وكأنّ الصواريخ صواريخهم، وكأنني أمين مخزن صواريخ في الجنوب المقاوم! طبعاً لم يكن باستطاعتي الإجابة عن السؤال. كنت مكتفياً ببهجتي، بهجة المنتصر، حتى لو شحّت الصواريخ. قرأت الانتصار في الأمثولة، قرأته في الإعلام المعادي. قرأته عندما أصبحت قرى غير مسموع بها من قبل، كعيتا الشعب ومارون الرأس، أشهر من لندن وباريس ونيويورك.
 ثلاثة وثلاثون يوماً كرّست البهجة فصارت جزءًا من كياني. هذه المرّة لم نُهزم. هذه المرّة انتصرنا. وارتدى البهجة نفسها، في القارّة شبه النائية، معظم كادحي العرب وأخوتهم من أصدقاء العرب. والبهجة من هذا النوع، تترجمُ في السياسة، تفاؤلاً، والتفاؤل من هذا النوع  عادة ما يتلوّن بالأممي. من أكثر المبتهجين في تلك الأيام، كان رفيقي المسؤول اليساري "الأبيض" الذي قال وكتب: "نعم...تستطيع العين أن تقاوم المخرز". لكن استنتاجه التفاؤلي الأكبر كان: "إذا كانت مقاومة بحجم مقاومة حزب الله قد هزمت إسرائيل ومن ورائها الغرب الإمبريالي، فهذا يؤكد أن إسقاط ’الأحاديّة القطبيّة’ في عالمنا هو أمر ممكن". وطبعاً، عندما يبلغ مستوى تفاؤل ماركسيّ مخضرم حدود تأكيد المؤكد في إمكانية إسقاط "الأحادية القطبيّة"، فهو يتعدّاه الى "ما بعد بعد" إنزال الولايات المتحدة عن عرش الكون، وصولاً الى الإنهيار الحتمي، للنظام الرأسمالي نفسه، طال الزمن أو قصر. هكذا إذاً، يقرأ اليساري، في انتصار تمّوز المجيد، مهما تباعدت المسافات والجنسيات والأصول العرقية.
قرأ أصدقاؤنا حول العالم، دروس حرب تموز ونتائجها قراءة  طبقية - أممية، لما تمثله إسرائيل من رأس حربة الإمبريالية في منطقتنا. ومثلهم أيضا،ً  قرأها، وما زال، المرعوبون من عرب ولبنانيي أميركا وإسرائيل، وإلاّ ما الذي يجمع المقاومين في جنوبيّ جنوب لبنان بأعداء العولمة المتوحّشة في جنوبيّ جنوب الكون؟ وما الذي يجمع بين عرب أميركا وأسيادهم الإمبرياليين في شماليّ شماله؟ بالتأكيد، ليس اللون ولا العرق ولا الدين ولا المذهب...
بعد مضيّ عقد على انتصار تمّوز المجيد، يسألني أصدقائي (أصدقاء المقاومة) في أستراليا: ما قصّتكم في لبنان؟ ما قصتكم ونظام المحاصصة الطائفية – المذهبية؟ وحيتان المال... والفساد... و"التشبيح" عابر الطوائف والمذاهب... والنفايات و...و...و...؟ لماذا توقّفت عقارب الزمن عند الحدود؟ ودائماً أجيب بمزيج من الخجل والحسرة والتفاؤل والأمل: لكننا حتماً سنعيد البهجة لتمّوز... وسننتصر!



(عن مجلة النداء – العدد 295)

قد يهمّكم أيضا..
featured

درامــا البيئــة الشفاعمريَّــة

featured

المشروع الاسرائيلي: تقسيم سوريا !

featured

العقوبات على ايران رياء دولي

featured

نحو مواصلة دحر داعش ورُعاته!

featured

النقاش معركة أم جولة استكشاف ونمو فكري

featured

شعب التناقضات (2-3)

featured

من أجل نضال محسوب ويؤتي بثمار