-1-
كان ماركس هو من ذكّرنا أن الحياة، خلافا عن النظرية، هي دائمة الاخضرار، وكان يحذر دائمًا من الالتصاق بقوالب جاهزة، في النشاط الثوري للحركات اليسارية. أما الرفيق لنين فقد نبهنا، من جهة أخرى، بما معناه، أنه "مهما كانت الفكرة عادلة فستصبح سخيفة إذا تم التطرف بها". وتتطلب هاتان المقولتان، من الفرد ومن المجموع البحث عن أساليب وأشكال جديدة في النضال لا تُضيع الجوهر، بل تمنحه عمقًا وأبعادًا أخرى، تتناسب والزمن والتطورات.
هكذا الأمر في نضالنا من أجل الدفاع عن الأراضي والحصول على الميزانيات وفي عدد هائل من الميادين. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث، أيضًا، عن قضية الإضرابات، وبالذات تلك التي لا تأتي ردًا على حدث درامي، والقصد هنا الإضراب في التاريخين المشهودين: يوم الأرض ويوم القدس والأقصى.
لا أعرف لماذا ينتابني الشعور بأننا نراوح مكاننا، لا جديد تحت الشمس، نتبنى القوالب الجاهزة. فهل حقًا جفت ينابيع الإبداع لدينا؟
-2-
كل إضراب، (وكل إجراء نضالي)، يحمل في جعبته نبضتين، النبضة الأولى تتمثل بالتهديد بالإضراب ومن خلال ذلك رفع موضوع الإضراب إلى بساط البحث الجماهيري، وأثبتت التجربة أن هذا "التهديد" يحمل أهمية في أحيان كثيرة لا تقل عن تنفيذ التهديد، أي الإضراب الفعلي.
تنفيذ النبضة الثانية، أي الإضراب، مباشرة، بدون استنفاذ مرحلة "التهديد"، يعني استهلاك ذخيرتنا كلها مرة واحدة. السرعة في الضغط على الزناد لا تفيد، ولا تعبّر عن ثقة بالنفس وكأن الإضراب سيهرب إذا لم يتم تنفيذه اليوم.. اليوم "وليس غدًا".
-3-
من الواجب استعراض التراحيش الممكنة (و"الترحيش"، وهي كلمة عبرية، تعني السيناريو المستقبلي المتوقع للأحداث)، وبرأيي أنها ستكون كالتالي، اعتمادًا على الأحداث السابقة:
- الترحيش الأول: أن تقرر السلطة، مثلما تفعل كل بضع سنوات، أن تعلم العرب درسًا، ومن خبرتنا ندرك، بأنه يكفي أن تقرر الشرطة التواجد بشكل مكثف في القرى العربية من أجل إشعال الفتيل، وفيما بعد أن تقرر، كما قررت في أكتوبر 2000 وفي آذار 76، أن تغتال شبانًا عمدًا ومع سبق إصرار.
- الترحيش الثاني: وهو الأكثر واقعية اليوم، وعلى ضوء السمعة السيئة التي تحظى بها الحكومة في العالم ، وخاصة بعد الهجوم الدموي على قافلة الحرية أن يقول متخذو القرارات في إسرائيل: "هيك هيك فش حدا سامع عن الإضراب، فلندعهم وشأنهم، يتناقشون ويزاودون على بعضهم البعض"
- -4-
هذان هما "الترحيشان" الأساسيان لدى متخذي القرارات في إسرائيل، وسنجد على جانب هذه الترحيشات، مئات الدراسات والأرقام، بالإضافة إلى الأيام الدراسية. والسؤال، الذي يرتفع بكل قوة، ونحن؟ ماذا في جعبتنا؟ هل لدينا دراسات حول أسلوب نضالنا أم "دب دبّتك العافية"، حيث نتبني موقف صاحب الصوت الأعلى. وبودي هنا الإسهام، وبمعرفتي المتواضعة، باستعراض جانبنا، في الترحيشان:
الترحيش الأول: إذا أضربنا ومر الإضراب، كأنه يوم عطلة عادي، ولم يذكر ذلك احد، فماذا استفدنا منه؟
- التحريش الثاني: وهو الأسوأ، إذا أضربنا وأغرقت السلطة إضرابنا بالدم، عندها سنشهد ولعدة سنوات مشاهد كيل الاتهامات للقيادة أنها تجر الجماهير إلى مغامرات غير محسوبة، ومرة أخرى سنشهد مظاهر استعطاف اليهود لكي يحضروا إلى قرانا ومدننا لتناول الطعام والتسوق في الناصرة وأم الفحم والطيرة ووادي النسناس وغيرها. وسترتفع الأصوات اللائمة بأننا نطلق النار على أقدامنا..
- -5-
على كل حال، كل الدلائل تشير أنني أحمّل الأمور أكثر مما هي عليه في الواقع، فلا يوجد اهتمام بهذا الإضراب. ومن جهة اخرى فإنه إضراب " على التساهيل": العمال، في المدن اليهودية (وكانوا هم.. هم عمدة الإضراب الأول عام 76) سيعملون في هذا اليوم، إلا إذا قرر صاحب العمل أن يعمل "جسرًا" بين عيد المظلة، الخميس، وبين السبت؛ الطلاب سيعتبرونه يوم عطلة إضافي، وستكون المشكلة لدى الذين يعطلون يوم الجمعة، فسيلعنون حظهم العاثر أن الإضراب وقع في يوم عطلتهم.. وأسوأ ما يمكن أن يقع به مجتمع هو عندما يبدأ بالكذب على نفسه.
-6-
وأخيرًا، في ظروفنا الحالية، سيسأل الجمهور قادته: ما هي الأسباب الاستثنائية، وليست تلك الموجود على مدار السنة، التي دعت إلى إعلان الإضراب هذه السنة؟ ومن المهم الإجابة، بصدق على هذا السؤال، فمن الضروري احترام هذا الجمهور لأنه هو هو المطالب بتنفيذ هذا القرار ودفع ثمنه الفوري أو ثمنه البعيد الأمد.
