في بضعة الأيام الأخيرة لم أخرج من البيت. قضيتها بين التلفاز وصفحات الجرائد والكتب وصفحات الشبكة، وبين صفحات أمّتنا التي يُخطئ من يظنّ أنّها تزداد سوادا يوما بعد يوم، بل هي في الحقيقة، بلغت من السواد مبلغا لا سواد بعده. ولا زوال لسوادها إلّا بالموت أو الانفراج. وأرجو ألّا يُساء فهمي وأتّهم بالتشاؤم أو أدعو إليه. فإنّما قصدت أنّ ظلام أمّتنا أصبح سديما كونيا يُبشر بميلاد جديد. وإذا قلت: إنّه لا زوال له إلّا بالموت أو الانفراج، فذلك لأنّه حضرني قولان لشاعرين في حقبتين مختلفتين من تاريخنا:
"اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلجِ". (مطلع قصيدة "المنفرجة" لأبي الفضل التوزري المعروف بالنحوي، المتوفى عام 513. وقيل إنّها لأبي الحسن، يحيى العطار القرشي الحافظ. والأول أرجح).
و "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنّها لا تُفرجُ". (من قصيدة للإمام الشافعي 767-820)
* * * * *
كعادتها، إحدى صديقاتي على ما يُسمّى مواقع التواصل الاجتماعي، صبّحت عليّ فرددت التحية بأحسن منها وسألتها: كيف أصبحتِ؟ فقالت: غضبانة وحزينة كثيرا! ولما سألتها عن السبب؟ قالت والألم يعتصر قلبها: تصريح ترامب بنقل السفارة واعترافه بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، على خلفية فشل أمريكا وهزيمتها في المنطقة من جهة، ولكن من جهة أخرى، وهنا الطامة الكبرى التي أغضبتني وأحزنتني، هذا الموقف فيه إعلان واضح وصريح أنّنا "مزلبطين".
وبعد أن طيّبت خاطرها بما فتح الله به عليّ، قلت لها: ولكن يا صديقتي نحن "مزلبطين" منذ زمن بعيد. ومن لم يرَ، فإن لم تُظهر له ذلك كل الأحداث التي مرّت بنا، فقد أعلنها الشاعر العراقي، مظفّر النوّاب، صريحة في سبعينيات القرن الماضي، بعد مجزرة تلّ الزعتر حين قال في قصيدته المعنونة بـ "تلّ الزعتر": "مزاد علنيّ يا سادة / تسعون على مؤتمر القمة / أوراق التوت لقد سقطت / نزل الأشراف من القمة بالعورات علانية". فما معنى أنّ تسقط أوراق التوت؟ أليس أنّنا كنّا "مزلبطين" آنذاك، بل قبله، وجاءت المجزرة الرهيبة التي كانت مدعومة أمريكيا وإسرائيليا وعربيا، فأسقطت ورقة التوت الأخيرة عن عوراتنا؟
المشكلة يا صديقتي أنّ بعضنا لا يزال لا يرى هذه الحقيقة، أو يرفضها! ألسنا نؤمن أنّ الشاعر الحقّ هو ضمير شعبه وأمّته؟ فلو وقف الأمر عند مظفّر النوّاب لكذّبناه. ولكنّ معظم شعراء العرب وصلوا بحساسيتهم النبوئية، إلى الحقيقة ذاتها، وتنبّأوا بهزيمتنا وفضيحتنا، وفضحوا عُريَنا. فهل عبثا تمنّى نزار أن يُعلنوا وفاة العرب، أو عبثا أعدموا بعد مجازر العراق، شاعرا قال: "نحن شعب لا يستحي"؟ وسبقهم بألف عام أحمد القائل: "يا أمّة ضحكت من جهلها الأمم". وهل تختلف جريمة "تلّ الزعتر" عن جريمة القدس؟ أولم تكن منذ أكثر من خمسين عاما، مؤشرا إلى أنّ هذا اليوم آتٍ؟ وقد يقول قائل: القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين! نعم هي كذلك. ولكن، إن لم يُدافع عنها أصحابها العرب قبل المسلمين، هل سيدافع عنها الإسلام السياسي المعاصر، وهو صناعة غربية بتحديث صهيو-أمريكي يُلائم خيباتنا؟ وهل يُطوّر الغرب صناعاته ليُسخّرها في خدمة قضايانا أم قضاياه؟
نحن عراة يا صديقتي منذ زمن بعيد، وكل الدول الاستعمارية، صنعت وما زالت تصنع طعامها ولباسها من ثروات شرايين أرضنا، وأبقتنا حفاة عراة جائعين. بدءا بالدولة الإسلامية العليّة التي لم يردعها إسلامها عن مصادرة كل قمحنا، ولم تُبقِ لنا إلّا بعض شعير نقتات به كالحمير، لتُبقي علينا قادرين على خدمتها، مؤمنين بأنّ طاغيتها هو خليفة الله على الأرض وحامي حمى الإسلام والمسلمين؟
لم نعش، أنتِ وأنا، زمن "الكراديش" يا صديقتي، ولكنّ جدّتي - رحمها الله - عاشته وكانت ما زالت تذكره حين كنّا أطفالا. وقد حدّثتنا عنه كثيرا. ولتذوّت مرارته في نفوسنا، لكي يرسخ في ذاكرتنا ولا ننسى، صنعت لنا "كردوشا" من طحين الشعير، وألقمتنا، أنا وإخوتي الصغار، لقما صغيرة منه، ما زلت أذكر طعمها الغريب المنفّر وصعوبة مضغها.
نحن عراة يا صديقتي منذ ذلك الوقت. ولكن، كان "الطابق" مستورا، حتى جاء الرئيس المؤمن وأهدى إلينا في أكتوبره العظيم، نصره "المبهبط". ولكي يُحافظ على بريقه المزعوم، اعتبر ما جرى بعد ذلك في "تلّ الزعتر"، مجرّد معارك مفتعلة. وقد سمعته بأمّ أذني آنذاك، يقول ذلك في لقاء متلفز، مع صحافية أمريكية ترتدي الـ "ميني جيب" وتلفّ رجلا على رجل وتبتسم بخبث لتصريحاته المُهينة. ولكي يُثبت ذلك، لها ولمرسليها، ترك أهله في عيد الأضحى وبادر لزيارة القدس فضحّى بها وبقيامتها وأقصاها وحرّرها من استعمار العرب والمسلمين. وبعد مبادرته التي اعتبرها بعض "المطبّلين والمزمّرين"، خطوة سياسية جريئة لا يقوم بها إلّا سياسي داهية شجاع، تعاقبت شبيهاتها من مبادرات الستربتيز العربي، إلى أن أعلنها صريحة، الدكتور المفذلك، عبد الله الدهلك: فلسطين ليست محتلة، فلسطين بلد محرّر عاد لأصحابه بعد أن كان محتلّا من الأغراب (الغوييم). هل يعرف هذا الجهبذ المتخرّج من جامعات بول البعير، ما هي حقيقة برج الساعة الرابض على أنفاس كعبتنا؟ أم أنّ بول البعير له فوائده في حالة عينية، ومضاعفاته السلبية في حالة أخرى؟
نحن عراة منذ زمن بعيد يا صديقتي! ولكن، يظهر أنّ بعضنا كان كمن لم يؤكل من شجرة المعرفة، والآن فقط، أكل ثمارها مرغما، فرأى عُرينا المشين، وصدمته المفاجأة.
ولكن، "إحِمْدِي الله" صباح مساء يا صديقتي، فبعد كل هذا السواد، ما زال بيننا نفر لا تنحني عنقه إلّا بالموت. ورحم الله الشاعر الجنوبي الذي أدرك عُرينا والتهبت جراح حنجرته من فرط ما صرخ:
"لا تُصالح!
ولو منحوك الذهب
أتُرى حين أفقأ عينيك
ثم أثبّت جوهرتين مكانهما
هل ترى!
هي أشياء لا تُشترى".
ولكنّ الرئيس المؤمن أنكر عليه صوته ونداءه، وباع واشترى، وجنح للسلم قبل أن يجنحوا لها، فهل جنحوا لها؟! فلا تغضبي يا صديقتي ولا تحزني، فالرئيس المؤمن مات بمبادرته وخسّته، والشاعر الجنوبي بشرفه وإن بحسرته. ولكنّ الشعب لم يمت. ويكفيه شرفا وفخرا، قول ضميره الجنوبي الذي لا يموت:
"معلّق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي - بالموت - محنية
لأنّني لم أحنِها حيّة!".
وما من جباه تبدّد الظلام يا صديقتي، مثل الجباه التي لا تنحني حيّة! ولنا في الشاعر الجنوبي وغيره من ضمائر أمّتنا، أسوة حسنة. فافرحي ولا تحزني! فنحن عُراة يا صديقتي ولكن، ما زالت فينا بقيّة من جباه لا تنحني إلّا على مشانق الصباح!
