يعني الارتشاح تراكم او انتشار مواد ضمن نسيج تعتبر شاذة فيه، وتكون الارتشاحات ضمن الرئة اما خلوية (أي التهابية او ورمية) او غير خلوية (أي ارتشاح بسائل الوذمة او النسيج الغروي او مواد أخرى).
وبذلك يكون هناك العديد من الكينونات السريرية المَرضية التي تشارك بارتشاح منتشر في الرئة، ورغم اختلاف امراض هذه الاضطرابات كثيرا وغموضها في كثير من الظروف الا انها تتشابه من حيث اصابتها البنيوية الواسعة واحداثها تبدلا في وظيفة الرئة.
وبسبب هذا التشابه بالصفات فانها تترافق غالبا بنفس العلامات والاعراض والتبدلات الشعاعية. والرئة كغيرها من الاعضاء ذات قدرة محدودة للتفاعل تجاه الأذى، لذا ينظر لذوات الرئة الخلالية – وهي اكثر اسباب الارتشاح الرئوي المنتشر مشاهدة، على انها طيف من التبدلات المرضية تمثل استجابة مشتركة لمنبهات مختلفة وهي على عكس الحدث النتحي الحاد "داخل" الاسناخ، بعديدات النوى الذي يميز معظم ذوات الرئة الجرثومية.
يكون التفاعل في الامراض الارتشاحية مبدئيا "بين" الاسناخ وفي هذه الامراض تكون الخلايا المرتشحة عادة خلايا مدورة (خلايا ناسجة، خلايا لمفية، وخلايا بلازمية) وتترافق بوذمة خلالية ونتحة بروتينية تحتوي على بعض الخلايا واشلاء الخلايا التي تتراكم في المسافات بين السنخية والقصيبات، يؤدي تعفي هذه المواد لتشكل غشاء زجاجي.
وفي طور متأخر يحدث فرط تنسج غزير او حؤول ظهارة القصيبات والاسناخ، يعقب تنخر الحجب بين الاسناخ، تندب وظهور ظهارة جديدة يحيطان تدريجيا بالنتحة الالتهابية داخل السنية (التهاب الاسناخ المليف). ويؤدي ذلك اخيرا لتليف منتشر ولتخرب رئوي عياني يبدو عيانيا مثقبا كقرص العسل. وبتطور الحالة نحو الاسوأ "رئة المرحلة الاخيرة" تزول عادة جميع المظاهر الوصفية لنسيج الرئة. ورغم اختلاف الخلايا المحدثة للارتشاح باختلاف الاسباب المحدثة سواء كانت خمجية او اغبرة معدنية او ظواهر مناعية او اسباب أخرى الا ان التبدلات الوظيفية والسريرية الناتجة تبقى متشابهة، ويتبين من هذه الاعتبارات ان عدد الامراض الارتشاحية المنتشرة في الرئة كبير.
الامراض:
الأخماج: ان العديد من اعضاء الطوائف الرئيسية للعوامل المخمجة تسبب ارتشاحا منتشرا في متن الرئة. فالحمات التي تصيب القسم السفلي من جهاز التنفس تحدث ارتشاحا خلاليا التهابيا حادا باللمفيات والناسجات والخلايا البلازمية التي قد تترافق احيانا بأغشية زجاجية.
ورغم ان معظم ذوات الرئة الخلالية الحمية تنجلي دون ان تترك اذى ذا اهمية، فان الادلة الاختبارية والسريرية تربط الحمات بمرض خلالي منتشر مترق وتحدث الجراثيم والاخماج المقيحة الناخرة اوراما حبيبية واسعة ولا سيما منها التدرن والادواء الفطرية ويرجح ان تلتئم مكونة نسيجيا ليفيا (ندبة) فتحدث داء ارتشاحيا قد يكون دائما.
تسبب هجرة الطفيليات عبر الرئتين ارتشاحات، يحتمل ان تكون مناعية الاساس، كما بينته ايجابية الاختبارات الجلدية الآنية، ووجود الاضداد المرسبة او المثبتة للمتممة وزيادة الحمضات و(احيانا) الربو. ان الاخماج الرئوية بؤرية اكثر منها منتشرة لانها تكتسب عبر الشجرة الرغامية القصبية، اما انتشار العوامل المخمجة عن طريق الدم فيوزع الآفات توزعا واسعا ومتساويا في متن الرئة. لا تشكل الاخماج سببا شائعا للارتشاح الرئوي المعمم الا ان من المهم التعرف عليها لأن معظمها قابل للعلاج.
الامراض الورمية:
تشكل الاورام الرئوية المنتشرة سببا هاما للارتشاحات الرئوية ويمكن ان تحدث في ثلاثة مواضع مختلفة:
1. الظهارة السطحية.
2. الاوعية الدموية والاقنية اللمفية والمسافات المحيطة بها.
3. النسج الخلالية. فالسرطانة القصبية السنخية.
هي سرطان رئوي بدئي يمكنه ان يسبب ورما بؤريا او ارتشاحا ظهاريا واسعا (ورام غداني)، تنمو بعض انواعها ببطء دون اجتياح وينتشر بعض انواعها بسرعة وتكون شديدة الخبث، يمكن ان يرتشح المتن الرئوي بشكل واسع بالتفاعلات الدموية او اللمفية من ورم بدئي في أي مكان من الجسم، كما يمكن ان تحدث اصابة رئوية خلالية منتشرة في سياق سير كل الاورام اللمفية (داء هدجكن والغرن اللمفي وغرن الخلايا الشبكية) وفي الفطار الفطراني وفي غرن كابوزي.
يشاهد الارتشاح الرئوي بالخلايا الابيضاضية مجهريا في نسبة عالية من المصابين بابيضاض الدم الا انه قلما يترافق هذا الارتشاح بآفات ظاهرة سريريا او شعاعيا ويمكن للابيضاضات اللمفية الحادة او المزمنة ان تحدث ارتشاحات رئوية اكثر من الابيضاضات النقوية، يشير حدوث حجب وارتشاحات رئوية مرئية في مريض مصاب بابيضاض الدم، عادة إلى خمج بجراثيم انتهازية غالبا ويجب الا تعتبر هذه الاعراض من منشأ ابيضاضي الا بعد تمحيص شامل بحثا عن محرضات أخرى محتملة. وغالبا ما يترافق فرط الكريات الحقيقي غير المعالج باحتقان الدوران الرئوي، وقد ذكر انه يسبب تليفا رئويا خلاليا عارضا.
الامراض الخلقية او العائلية:
يترافق عدد من الامراض العائلية او الخلقية بارتشاح رئوي منتشر ومعظمها اضطرابات مدنفة شاملة وتطغى فيها اصابة الاجهزة الاخرى الاكثر اهمية والاكثر امراضا ووفيات على الاصابة الرئوية. قد يترافق خلل الجملة المستقلة العائلي بتندب رئوي ثانوي لالتهاب الرئة التالي للارتشاف المتكرر بسبب خلل الجملة المستقلة، يمكن كشف التليف الرئوي المنتشر في 10 – 20% من المرضى المصابين بالتصلب الحدبي او بالورم العصبي الليفي (داء فون ريكلنكهاوزن) اما في داء غوشر او داء نيمان – بيك، فيمكن لصورة الصدر الشعاعية ان تظهر ظلالا شبكية عقدية رقيقة تعكس وجود ارتشاح منتشر بخلايا تحتوي على شحوم شاذة تميز هذه الادواء.
يحدث تندب متني منتشر في التليف الكيسي، تال للتوسع القصبي وللاخماج القيحية المعاودة. وداء الرمال الرئوية الصغيرة آفة عائلية او فرادية يتواجد فيها عدد كبير من الجزيئات المتكلسة داخل الاسناخ. ويعتقد ان هذا الاضطراب يبدأ في سن مبكرة، وغالبا ما يكتشف عرضا بعد تصوير الصدر في مريض لا عرضي، ولا توجد فيه اضطرابات معينة في استقلاب الكلس والفوسفور، الا انه يمكن لشذوذات فيزيائية كيميائية في النسيج الرئوي ان تلعب دورا في ترسب املاح الكلس.
اما التليف الرئوي الذاتي العائلي المجهول السبب فيماثل ذات الرئة الخلالية المتعضية (الموصوفة لاحقا)، الا انه بالاضافة لذلك يحدث عائليا ويميل لاصابة الافراد الاصغر سنا وما تزال الآلية الإمراضية لكلى النوعين العائلي والفرادي مجهولة.
الاضطرابات الاستقلابية:
هناك آفتان شائعتان نسبيا هما اليوريميا وزيادة كلس الدم وتترافقان بارتشاح رئوي منتشر. وتشمل الموجودات المرضية في ذات الرئة اليوريميائية نتحة ليفينية ضمن الاسناخ وغالبا ما تتعضى إلى اغشية زجاجية كثيفة والى ذات رئة خلالية مختلفة التعفي، ولا يزال الجدل قائما حول ما اذا كانت الاذيات الرئوية ناجمة من اليوريميا بالذات، او عن قصور القلب الاحتقاني الذي يرافق اليوريميا غالبا، تشير المعطيات المتوفرة عن اليوريميائيين إلى امكانية تراكم مادة قابلة للتحال، تؤثر بشكل عام على النفوذية الشعرية وتساهم في حدوث الاذية الرئوية. ممكن لزيادة كلس الدم، مهما كان سببها (بسبب فرط نشاط جارات الدرق، او الآفات العظمية المنتشرة او فرط الفيتامين د)، ان تترافق بترسبات متعددة لاملاح الكلس وفي النسيج الرئوي. وان الرئة، مثلها في ذلك مثل مخاطية المعدة والانابيب الكلوية، مكان منتقى للاصابة وقد يكون ذلك بسبب تبدلات وصفية في ال، PH تشجع على التكلس ورغم ان التكلس المنتشر في المتن الرئوي قد يكون شديدا بالفحص المجهري الا انه نادرا ما يكشف بالتصوير الشعاعي ونادرا ما يُحدث اعراضا.
يحدث تناول مادة الباراكوات المبيدة للاعشاب عرضا او عمدا، اذى في اعضاء متعددة بما فيها الرئة، فاذا ما تجاوز المريض المرحلة الحادة قد تحدث فيه افة رئوية مزمنة تتميز بتسمك التهابي منتشر في الحواجز بين الاسناخ، وتليف خلالي.
اسباب الامراض الارتشاحية المنتشرة في الرئتين:
1. الاخماج
أ. الحمات: الانفلونزا الحصبة الحمة المضخمة للخلايا، الحماق والحلأ النطاقي
ب. الجراثيم: التدرن الدخني خمج المكورات العنقودية، خمج الكلبسيلا، خمج المتفطرات، داء البروسيلا، داء المونيلا، داء الشيكلا، التولاريميا، الرعام، الطاعون الرئوي، الشاهوق، داء الببغاء (داء الطيور)، اعتلال العقد اللمفية التناسلي، حمى كيو، حمى الجبال الصخرية البقعية، داء النوكرديا.
ج. الفطور – داء النوسجات، الفطار الكرواني، الفطار البرعمي، فطار المكورات الخبيثة، داء المبيضات، داء الرشاشيات، داء الشعريات الارضية.
د. الطفيليات – الداء المنشقات، خمج المتكيس الرئوي الكاريني، داء الخيطيات، داء المقوسات، داء الصفر (الاسكاريس) داء الشعيريات، داء المشوكات.
2. الاسباب المهنية:
أ. اغبرة المعادن، الصوانية الاسبستية، داء البريليوم، تغير الرئة بالفحم، الحديدية (مرض اللحام الكهربائي)، تغير الرئة بالبورانيوم او الفضة او القصدير او المنغنيز.
ب. الابخرة الكيماوية: ثاني اكسيد الازوت، الكلورين، الامونيا، ثاني اكسيد الكبريت، الفوسجينات، الكيروسين، رابع كلور الكربون، الكيروسين، رابع كلور الكربون، فلوريد الهيدروجين، حمض كلور الماء، حمض الازوت.
3. الاسباب الورمية:
السرطانة القصبية السنخية النقائل عن طريق الدم، ابيضاض الدم.
4. الاسباب الخلقية او العائلية:
التليف الكبدي، الورم الليفي العصبي، التصلب العقدي، خلل الجملة المستقلة العائلي (متلازمة رايلي – داي)، التليف الرئوي الذاتي العائلي، المرض الكيسي الخلقي مع تليف رئوي وسوء تنسج رئوي كيسي عائلي.
5. الاسباب الاستقلابية.
6. الاسباب الفيزيائية:
التليف التالي للاشعاع اذيات الحرارة، التسمم بالاكسجين، اذيات الانفجار.
7. الاسباب الدورانية:
أ. الصمات الخثارية: الصمات الرئوية العديدة، الصمات الشحمية، تصوير الاوعية الليمفية، فقر الدم المنجلي التهاب الاوعية بالجسم الغريب (ادمان المخدرات).
ب. الديتمة الرئوية:
وذمة الرئة، الاحتقان المزمن مع التليف.
8. الاسباب المناعية:
أ.ذات الرئة التحسسية.
1. استنشاق المستضدات، رئة المزارع، مرض عمال نقل قصب السكر، مرض مقشري القبقب، مرض زراعي الفطور، رئة عمال المالت، التعرض لخمائر العصيات الرقيقة (صناعة المنظفات) او التلقيح ضد الجدري.
2. التفاعلات الدوائية: التحسس للهيدرولازين، البوسلفان، النيتروفورنتوئين.
ب. امراض الغراء، تصلب الجلد، التهاب المفاصل الرثواني، الذئبة الحمامية، التهاب الشريان العقدي، التهاب العضلات والجلد متلازمة جوكرين.
9. الاسباب المجهولة:
أ. الغرنون (الساركويد).
ب. داء المنسجات: مرض ليترير – سيوى مرض هاند – شولر – كريستيان، الورم الحبيبي الحمضي.
د. الهيموسيدرية الذاتية
هـ. الداء الرئوي السنخي البروتيني.
و. ذات الرئة الخلالية
ز. التليف الرئوي الذاتي المنتشر
* مبادئ الطب الباطني لهاريسون
(يتبع)
