السعودية: نساء يدفعن ثمن هزيمة الرجال

single

ما تزال قضية منال الشريف تأخذ ابعادا عالمية ومحلية، بين مدافع عن حق هذه المرأة الجريئة في قيادة السيارة وبين متوعد متربص يحلل موت نساء يطلبن التنقل وآخر يلوح بعقال كسلاح ينتظر خروج النساء في مظاهرة 17 حزيران القادمة.
ينشغل المجتمع بكافة أطيافه بموضوع قديم متجدد . ورغم أن موضوع قيادة السيارة بدأ يسكب عليه الحبر منذ عقود طويلة، كان آخرها عام 1990 ـ 1991 عندما خرجت النساء بمظاهرة الرياض المعروفة، الا انه دوما يرتبط بأزمة سياسية واضحة وصريحة . عندما كانت جحافل الجيوش الأمريكية تهبط على الجزيرة العربية من كل صوب، برزت قضية قيادة السيارة فشتتت أذهان حراس الفضيلة لتغطي على أكبر أزمة عرفتها البلاد في تاريخها الحديث . واليوم وفي لحظة الثورات العربية التي تتزامن مع حالة الركود السياسي السعودي وخاصة في موضوع القيادة الهرمة وانتقال السلطة الى أخرى، تبدو أكثر هرما، تمر السعودية في مأزق عميق حيث بدت قيادتها منهكة تنحني امام تسارع الأحداث وفي حالة تخبط واضحة وصريحة من ملامحها مناوشات وعتب على الولايات المتحدة بسبب تخليها عن مبارك في الساعة الأخيرة، وتدخل سافر في البحرين نعتبر تداعياته المستقبلية قنبلة موقوتة انفجارها مسالة وقت فقط . وحرب مستعرة في اليمن، الرافض لمبادرات فاشلة حجمها صوت كرمان متوكل ووضعها في المكان المناسب على هامش الحراك الشعبي ودعوات سقيمة آنية لتوسعة نادي الملكيات . وجبهة اخرى في سورية ربما تجرف المنطقة كلها الى أبعاد لم تكن في الحسبان، ورحلات مكوكية الى الصين علها تثير غيرة حامية الحرمين الشريفين وتصرف النظر عن خطابها الدعائي المناصر للديمقراطية . اما المجتمع فهو يحتقن، حيث بطالة شبابه تزداد بتزايد تأشيرات دخول العمالة الأجنبية وسجونه تمتلئ بحملة الشهادات الجامعية والتي بلغت نسبتهم تسعين في المئة من مجموع السجناء. فبعد الصرف على التعليم والبعثات تنتهي الشهادة بصاحبها الى سجون مملكة الانسانية ولم تخترع الارقام بل هي تعود لما قاله الدكتور محمد القنيبط، نقلا عن دراسة جديدة . اما نساؤنا فنسبة العاطلات عن العمل من حملة الشهادات تتجاوز 78%.
ابتعاث الطلبة أصبح خطة مدروسة للتخلص من الزخم الشبابي لفترة تتجاوز 5 ـ 6 سنوات ليعود هؤلاء فيجدوا البطالة بانتظارهم . والنساء اللاتي يحصلن على وظيفة لا يستطعن التنقل الا بسائق، وان طالبن بحق قيادة السيارة فهن 'عاهرات' حسب الاوصاف التي ان دلت على شيء فهي تدل على هزيمة الرجل في الجزيرة العربية والذي لم يبق له سوى العقال يهدد ويتوعد به، هذا هو سلاح المهزوم الفاقد للارادة المستلب للكرامة الخانع للسلطة.
ان كانت هناك ازمة في الجزيرة العربية فهي أزمة ذكورية صرفة نتيجة عقود من التهميش والابعاد عن تقرير المصير والاهانة المبتذلة وعدم صنع القرار كلها انتجت ذكورية مهزومة مهتزة تتطاول على النساء، اما بالتجريح والقذف او بالضرب والاهانة . لقد اصبحت معركة الرجل، اليوم، معركة ضد المرأة وحقوقها وهذا هو المجال المفتوح أمامه حيث تصمت القيادة عن المعركة الحالية وكأن الامر لا يعنيها .
من بوادر هذه المعركة، انحسار المرأة في خطاب معاد للرجل، حيث تكتب القصة والمقالة بروح عدائية لمن تعتقد انه سلبها حقوقها واختلس ارادتها. وكم قصة ومقال كتبته نساء الجزيرة عن ازدواجية الرجل، ان كان ليبراليا، وشراسة المتدين، ان كان اسلاميا. وليت أختي بنت الجزيرة تعلم انها تعادي رجلا هزمته السلطة القمعية وجردته من أبسط حقوقه المدنية والسياسية وأهانت كرامته وحولته الى متسول يستجدي العمل والتربية والحقوق . وهل ينتظر الانسان من تلك الشخصية حقوقا لا يتمتع هو بها ؟
وكيف يتجاوز الرجل هزيمته ويعطي حقا لا يمتلكه، ومن كان فاقدا الشيء لا يعطيه . أزمة الذكورية لها ابعاد واضحة، تتضح كل يوم، منها الهروب الى عالم التخدير المعروف ومنها الهروب الى الماضي البعيد حيث الفضيلة والعفة والطهارة المزعومة ومنها الانغماس في حياة مزدوجة، ظاهرها التقيد بالفضيلة وباطنها الانغماس في الرذيلة، وهناك قلة قليلة تنأى بنفسها عن هذه الاتجاهات المتضادة فتنزوي في عالمها الخاص الضيق ولا تتعاطى مع الشأن العام الا عند الضرورة فتخلق لنفسها عوالم محصنة بعيدة عن هزائم المجتمع ورجاله.
ارادت السلطة السعودية أن تكون معركة المجتمع السعودي، في عصر الثورات العربية، معركة بين الرجل والمرأة ولا يهم رموز السلطة ان ساقت المرأة ام لم تسق، كل ما يريدونه من المرأة هو صورة فوتوغرافية تذكارية في اللحظة المناسبة من مبدأ العلاقات العامة وتلميع الصورة. وعلاقة الديكتاتور بالمرأة علاقة قديمة معروفة، في الماضي والحاضر، اكثر من وجودها في حريمه الكبير حيث اختلطت الزوجات بالإماء وغيرهن وفي العصر الحديث يلجأ الى النساء بحثا عن قوة ناعمة وسحر قديم يخفي سوط السلطة الحقيقي . وعلى المرأة ان تتخلى عن اسطورة السلطة المستبدة كناصر للمرأة وحليف ضد الرجل المهزوم، فكيف لسلطة تهزم الأب والابن والأخ والزوج أن تناصر المرأة وترفع من شأنها وتعطيها حقوقها الشرعية.
لقد نجحت السلطة السياسية في ان تجعل المعركة تنحرف من معركة تطالب بالحقوق المدنية والسياسية لكافة أطياف المجتمع، بنسائه ورجاله، الى معركة بين الرجل والمرأة حتى اصبحت هذه المعركة الازلية مركزا لحشد الصفوف والتجمهر في العوالم الافتراضية حيث يصطف الفرقاء في معسكرات، معروفة مسبقا، ويأتي شيوخ الفضيلة، بمخزونهم وأدبياتهم القديمة، ليسقطوها على حالة جديدة ويعتبروا حرمان المرأة من حق السياقة نصرا مبينا في سلسلة الفتوحات والغزوات الحديثة وثغرا من ثغور الاسلام يقفون على اطلاله ويتغنون بنصر قادم ضد قوات شيطانية تفتك بالامة وشبابها. ولا يلتفت هؤلاء الى هزيمتهم وهزيمة أتباعهم وتهميشهم المستمر حتى أصبحوا مباني جامدة لا تتحرك الا على أنغام النساء وأصواتهن وأطراف أثوابهن. اما المعسكر الآخر الواقف على أطلال مسميات كاللبيرالية ومشتقاتها فهو أيضا يخوض غمار المعركة ويعتبر قيادة السيارة مقياسا لانتصار وهمي، فليس له باع في تمثيل سياسي ولا مؤسسات مجتمع مدني ولا نقابات مهنية او عمالية ولا دستور يحد من صلاحيات القيادة ولا توزيع عادل للثروة ولا فساد مستشر ولا حقوق سياسية، بل هي معركة سيارة وامرأة.  وينتظر المعسكران المتصارعان تدخل السلطة، وهي تضحك على غبار المعركة من شرفات القصر ونوافذه المطلة على هزيمة مسبقة للرجال . ستحسم القيادة الجدل وستفرج عن منال الشريف لانها بريئة من اي تهمة وليس كل قانون جائر مغلوط يخدم الرجولة المهزومة هو قانون جدير بالاحترام والتقيد به .
لا توجد قضية في السعودية تخدم مصالح الحكم التسلطي كما تخدمه قضية قيادة المرأة للسيارة. لقد اصبحت هذه القضية رمزا لمعارك تخوضها جماعات معروفة كتمويه لهزيمتها الحقيقية على ارض الواقع . واقحمت المرأة في غزوات الرجولة المهزومة لانهم يعتبرونها سورا منخفضا يستطيعون التسلق عليه بسهولة دون ان ينالهم عقاب السلطة، ان هم تجرأوا وتعاطوا مع شأن اكبر وأعم من شأن قيادة المرأة للسيارة كشأن تهميشهم في مملكة تعتبرهم فائضا بشريا يتم تركيعه بالدين والاقتصاد والقمع.
ان كانت جرأة منال لا تحتمل النقاش والجدل ومساندة رجال عائلتها الذين خرجوا عن مجموعة الرجولة المهزومة هي وقفة شجاعة، الا ان حقوق المرأة الشاملة ومنها حق التنقل وسياقة السيارة لن تتقدم طالما اننا كنساء في الجزيرة العربية نعاني من تداعيات وتبعيات هزيمة الرجل تحت ظل النظام التسلطي، والذي من مصلحته ان تتحول معركة النساء والرجال من معركة جماعية تطالب بالحقوق المشروعة ضد تسلطه وتهميشه للمجتمع، بكافة اطيافه، الى معركة بين الرجل والمرأة في كل بيت وشارع ومدينة . وفي المستقبل لن تنجح مظاهرة نسائية بحتة لقيادة السيارة دون مشاركة طيف كبير من الرجال، الذين يثبتون انهم استفاقوا من هزيمتهم التي فرضها عليهم حكم يستفرد بالسلطة ويتاجر بالمرأة وعفتها حسب الظروف السياسية ولمصلحته هو.
وتخطئ المرأة ان اعتقدت أن الرجل عدوها، وعليها ان تعلم أن فقط الرجال المنهزمين أمام جبروت السلطة هم اعداء وهميون، ربما لم يبق لهم سوى العقال الذي يتمركز على عقول معطلة عطلتها آلية نظام يستهتر بابسط الحقوق ويسجن اطفاله ونساءه ورجاله كلما ظهرت بوادر حراك سياسي ينتزع الحقوق للمرأة والرجل معا .
ولن يحسم الجدل حول موضوع جوهري، تحول الى مهزلة، بسبب اغراض سياسية صرفة ليس لها علاقة بالفضيلة. وان كان للمرأة دور في الجزيرة العربية فدورها يتمركز حول تحرير الرجل من هزيمته، قبل ان تحلم بحقوقها الشرعية. اذ ان هذه الحقوق ستصطدم بنفسيات مهزومة غير قادرة على اثبات وجودها سوى في مجال منع هذه الحقوق، لاغراض لا تتعلق بالمرأة نفسها. ضرب النساء بالعقال هو سلاح المهزومين.

 

' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

قد يهمّكم أيضا..
featured

عدوانيّ المواقف وعديم النزاهة

featured

ديماغوغية خلط الأوراق

featured

في ذكرى النصر على النازية الفاشية !

featured

"صلح اوسلو" والفشل الذريع

featured

ستون عاما ونيف على بدايات نشوء فرع للحزب الشيوعي في قرية المكر

featured

كلمات موجعة إلا أنها صحيحه

featured

لماذا اختفى الشارع العربي

featured

"وعدُ غدٍ وبراعم زنبق"