اعتصام تضامني مع الاسرى امام مقر الصليب الاحمر بالخليل.(عدسة:سمر بدر/وفا)
احتدم الجدل في اوساط شعبنا في حينه بين مؤيد ومعارض لاتفاقيات اوسلو 1993 التي جرت بين القيادة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، وبين حكام اسرائيل على اساس ان هذه الاتفاقيات سوف تفضي الى انسحاب اسرائيلي من بعض المناطق الفلسطينية باعتبارها قد حررت من ايدي الاحتلال الاسرائيلي. وان هذا يعتبر انجازا سوف يؤدي في طالع الايام وسياق المفاوضات وتفاهمات اوسلو الى سلطة وحكم فلسطيني اكثر بكثير من ذاتي واقل من دولة فلسطينية مستقلة، لحين اكتمال الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الارض الفلسطينية لعام 1967، وفقا لسير العملية التفاوضية في اوسلو في مسارها الصحيح وصولا الى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67 بما فيها القدس الشرقية عاصمة لهذه الدولة الحديثة.
منذ ذلك التاريخ وبداية التفاوض من اجل الوصول للأهداف المذكورة طوى التاريخ من صفحاته من التفاوض مدة ربع قرن والمفاوضات مستمرة تتعثر هنا وهناك وتتوقف لبرهة من الزمن ليرفع بها الامريكيون والاوروبيون والعرب المتأمركون والممولون لحاشية السلطة، يفسرون كل شيء لتبقى المفاوضات عديمة المعنى والاهداف كي يبقى اوسلو وما تمخض عنه شكلا من اشكال المراضاة للفلسطينيين.
خلال ربع قرن من المفاوضات العبثية، تغير وتبدل في سدة الحكم في اسرائيل حكومات عديدة بين اقطاب الصهيونية من المعراخ والليكود وقوى اليمين العنصري والفاشي المعادي للشعب الفلسطيني، وشنت هذه الحكومات اشرس الحروب وحشية على شاكلة الابادة الجماعية ضد شعبنا في لبنان وضد اللبنانيين، وكذلك تجاه شعبنا في غزة وباقي المناطق المحتلة وحاصرت شريك المفاوضات القائد الشهيد ياسر عرفات، واسرائيل المتهمة بقتله وتصفيته لانه عنيد في المفاوضات ولا يفرط بالثوابت واسرائيل كانت تبحث عن بديل للمساومة على الحق الفلسطيني بمجمله، ما جدوى هذه المفاوضات وحصار غزة جوا وبحرا وبرا مستمر منذ اكثر من عشرة اعوام، ونتنياهو وغيره في الحكم يتحكم بالهواء وبحركة الحياة التي يتنفس بها اهلنا في قطاع غزة، ما فائدة الجلوس والاحتكام الى اوسلو واحد واثنين وما تم التوصل اليه لا يجري تطبيقه من جانب حكومة نتنياهو وغيره. لقد كانت خلال هذه الفترة اوسع حملة استيطان ونهب للأرض الفلسطينية، وما زالت هي في عهد نتنياهو وحكومته المعادية لتطلعات وطموحات الشعب الفلسطيني. وقد جرت في كل مراحل التفاوض المباشر في اطار اوسلو بكل مراحله. السجون الاسرائيلية مليئة الآن بالأسرى والمقاومين سواء للحصار او الهدم او المصادرة او الاستيطان والمداهمات والاعتداءات والابعاد والاغلاق للاحتلال الذي هو اساس البلاء ومصدر الشر للمنطقة وشعوبها وللشعب الفلسطيني خاصة.
حكومات اسرائيل وعلى مدار ربع قرن من التفاوض المباشر، وبرعاية امريكية واوروبية وصولا الى اوسلو المأزوم والمبتور والمحرق وغير العادل، عملت هذه الحكومات الصهيونية بصورة ممنهجة ومبطنة وبالتنسيق مع الآخرين واللاعبين الدوليين وراعي المفاوضات وما يسمى "العملية السلمية" على افراغ كل محتويات اوسلو وما تم التوصل اليه من محتواه الاستحقاقي والقانوني والشرعي وتجردت من الالتزام. فيما نقلت جدوى الحوار والنقاش والمسألة والتفاوض والحقوق الشرعية على الشكليات والهوامش والطلبات هنا وهناك. وطمست المضمون والجوهر لدرجة اصبح التفاوض وورقة العمل التفاوضية على معان تحمل المسؤولية في الامور الادارية والوطنية، بعد ان تخلى الاحتلال بموجب اوسلو السيئ الى ما اتفق على تسمية السلطة الفلسطينية، فيما ابقت على المسائل الامنية والامن عامة والنفوذ والاستيطان والتحكم بعملية الدخول والخروج على الحدود الى سلطات جيشها وقطعان مستوطنيها، في الزمن الذي قطعت اوصال الارض الفلسطينية بالمستوطنات والطرقات الاستيطانية والجدار العنصري العازل وغيره، للحيلولة دون البحث والتفكير مستقبلا على ان من الصعوبة بمكان اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ما بين البحر والنهر. منذ البداية وحكام اسرائيل يمارسون لعبة الحوار والتفاوض الى ما لا نهاية، ويسمونها "بعملية السلام" الجارية بين الاسرائيليين والفلسطينيين بعدما افرغوها واعدموا محتوياتها المؤدية للسلام الحقيقي الذي يضمن حقوق الآخرين، وهم ابقوا على شيء واحد ووحيد يبتغونه – عبثًا! - ان يأتي الفلسطينيون كشعب الى حظيرة الاستسلام بعد تركيع القيادة والقبول بالأمر الواقع.
اما احتجاج الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي على سياسة حكام اسرائيل فيما يتعلق بحل الدولتين وعدم التنازل عن هذا المبدأ، ما هو الا لذر الرماد في عيون الفلسطينيين الذين انتظروا طويلا عسى ان تلعب الأمم المتحدة والقارة العجوز شيئا للضغط على حكام اسرائيل والتلويح بالمقاطعة الاقتصادية والتجارية ودعم الموقف الفلسطيني الرسمي وفي النهاية الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حدود 67 وتقديم كل انواع الدعم لتطبيق ذلك كنوع من الاعتراف الاوروبي ومسؤوليتهم التاريخية عن ما حل بالشعب الفلسطيني بمرور الذكرى السنوية لوعد بلفور المشؤوم.
تم افراغ اوسلو من محتوياتها كمحطة في طريق اتمام المشروع الفلسطيني الذي يرتكز على تحرير الأرض والانسان الفلسطيني معا. فالسلطة اصبحت وتحولت على مدار سنوات اوسلو الى سلطة لا تستطيع ان تلبي الحد الأدنى من متطلبات عملية التحرر والاستقلال. تعيش تحت الاملاءات الاسرائيلية والامريكية في قمع الاحتجاج والتظاهر والتململ الشعبي الاحتجاجي والجماهيري سواء على الاستيطان او غيره. إن مرور حوالي ربع قرن على اوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية قد اثبت الفشل حسب رأيي الخاص. ان من خطط اوسلو وهندس تفاصيلها وهو او هم يعرفون تمام المعرفة ان ما جرى التعارف عليه (اوسلو + سلطة) هو بالنسبة لهم آخر الشوط في اللعبة، لكن الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية لن تنطلي عليهم اساليب الاحتلال والصهيونية ومكائد الامريكيين والاوروبيين والعرب المجرورين في طمس وتغييب وتهميش الحق الفلسطيني.
برأيي، إن بقاء التنسيق الامني بين السلطة واجهزتها الامنية مع الاحتلال هي اكبر فشل لهذه السلطة على الصعيد الوطني السياسي ومحاولات عباس واجهزته الامنية الحيلولة دون اندلاع انتفاضة ثالثة وجماهيرية احتجاجية على كل ما يجري من جانب حكومة نتنياهو في الملف الفلسطيني.
(كويكات / ابو سنان)
