عروس الجليل

single

في (21/1/1955) ولدت في قرية بيت جن، والجبال من حولها حزام اخضر رائع، وحبوت في بيت فقراء ماديا ولكن اغنياء بحبهم للارض وللناس وللصدق في القول والعمل، وكان احتضاني للجمال خاصة المجسد بالسنديان والريحان والزعتر والشبرق والعنب والتين والخوخ والرمان والتوت، المنتشر في التلال والكروم والوعر والحواكير وكانت عندنا حاكورة قرب الدار تزرع فيها الوالدة كمية من اشتال البندورة والكوسا والملفوف والبصل فتصير خضراء وكأنني كنت اسكن في زجاجة من زنبق فهكذا كان بيتنا كقارورة عطر تجسدت بوالدين عشقا التواضع والناس وعمل الخير واخوة واخوات كانوا قدوة ومضرب المثل في التماسك والتآخي والتعاون وصدق اللسان.
لم تسمح لي الظروف باستكمال دراستي الثانوية، ففي اوائل السبعينيات لم تكن في بيت جن مدرسة ثانوية، فكنا نتوجه الى قرية الرامة المجاورة والعامرة لاستكمال التعليم، واذكر يومها عندما نهضت للتوجه الى الرامة واذ بوالدتي تبكي فسألتها عن السبب فقالت، ابوك معش ليرة يعطيك تنزل عالرامة، فاضطررت للتوجه سيرا على الاقدام الى الرامة، وهكذا اضطررت لترك المدرسة والتوجه الى العمل، لم اعرف المقاهي والنوادي الليلية ولعب القمار والنرد ولم اذق طعم الاراجيل ولن اذوقه، حبوت على البيادر وتحممت في الغدران وبركة الغدير واحتضنتني عين الجرون وسرطبة وعين النوم وعين طارق والتصاقي بقريتي ودفاعا عنها، وكنت يومها في الخامسة عشرة من العمر عندما هدمت السلطات بيتا لاحد المواطنين في القرية بحجة البناء غير المرخص وهو جندي مسرح، وقادني رفض الظلم والتمييز العنصري الضارب اطنابه في مؤسسات الدولة الى صفوف الحزب الشيوعي البيت الدافئ لكل انسان وانسانة يقدران ويذوِّتان معنى جمالية الانسانية والحفاظ عليها، الحزب الذي يرى في كل الناس أسرة واحدة والذي اصبح مع قريتي واسرتي والكتاب واليراع جزءا من دورتي الدموية وجهاز التنفس، فانا اتنفس دائما الريحان والزعتر والحبق والشبرق والعبهر وليس الهواء المجرد فقط، ويوميا اقبل بيت جن بارضها وبيوتها واهلها وحواكيرها واذا كان الحب مجرما وحرموه بحجة الحفاظ على شرف العائلة فها انا اعلنها في وضح النهار احببتها عنوة وعلانية فتاة خلابة اصيلة تربعت على عرش الجمال فتاة خلابة اسمها بيت جن وحبها نور يضيء في قلبي ومشاعري وافكاري الاممية لذلك لا اعرف الكراهية الا للطغاة والسفاحين ومصاصي عرق ودماء الآخرين وهذا حلال ومطلوب.
ولانني ولدت في طبيعتها الرائعة والخلابة ودرجت في زقاقاتها فأحس انني موظف في قسم المحبة للناس والارض والكتاب وخدمة قضايا السلام والتعاون البناء وانني لا ارتدي الثياب من قطن وصوف، وانما من المحبة والحنان والطيوب واحس ان المطر الذي يهطل من السماء عليك ليس كالمطر في الاماكن الاخرى، انه قُبل محبة وقطرات عسل وحبات عنب وبلح ولذلك صار جمالك اروع واكثر من القرى الاخرى الشقيقات لك، ولانهن شقيقات وفيّات ومخلصات فهن جميلات ورائعات، ولانها تطلب منا دائما ان نحبها ونخلص في حبنا فانا من الذين استجابوا لذلك واقولها على رؤوس الاشهاد احبك وشقيقاتك في الجليل والمثلث والنقب في الكرمل والبطوف، فالمطلوب التعاون البناء وتعميق الوحدة والشموخ بمواقف الشرف والنضال بالذات في يوم الارض، المطلوب تعزيز وترسيخ المحبة وحسن الجوار ونبذ التنابذ والاحقاد، وانت بالنسبة لي كالأم التي هي مدرسة تعلم الحب ولا شيء غير الحب والتآلف والوحدة والشموخ، نعم تعلمت فيها وهي امهر واروع معلم يعلم كل ما هو جميل واصيل ومفيد ورائع ونصوصه كأني بها من التراب والسنديان وكف الدب والريحان والحبق، نعم، فيك ولدت وفيك اموت واذا كان الكتاب خير جليس في الزمان بغض النظر عن مضمونه فانت الكتاب الرائع والذي مضمونه اروع وكأنه قارورة عطر وانا اقرأه (24) ساعة يوميا وبعد نوم عيوني وتوقفها عن قراءتك تقرأك مسامات جلدي وانفاسي ونبض القلب والدماء في الشرايين فتستمد اروع غذاء منك.
واذا كنت عروس الجليل من بين شقيقاتك الاخريات وملكة جماله في الموقع وجمال الطبيعة فمتى تتممين الجمال وتصبحين العروس وملكة جمال النضال للحفاظ على ترابك ومجدك واسمك وخاصة في رفض التجنيد الاجباري وجعله اختياريا وفي رفض خدمة سياسة احزاب السلطة العنصرية، وعهدا مني لك باولادي ومبدئي لن اخذلك في الحب وسأبقى فيك فانا من التراب والى ترابك اعود، وكأني بالجمال كله بدأ من بيت جن وانتشر على الدنيا كلها واعتز فيك بشيوعيتي الجميلة وكأنني بافكارها الاجمل استمددتها من السنديان والزيتون والشبرق والحبق والدوالي وادمنت السكن فيك والسير في طرقاتك وارتويت من ينابيعك وشذا وعرك وبيت جن بجبالها وارضها ودورها واهلها تسكن في قلبي ودمائي ومبادئي وكأنني بها اغنية من اغاني فيروز الجارة وقصيدة هي قمة القصائد التي كتبت شامة على خد القمر ومنذ بدأ الانسان يقرض الشعر واحس ان الشمس والقمر والنجوم عندما تطلع تكون اجمل واحلى واروع لانها فوق بيت جن التي تلقي عليها وشاحها الاجمل، واحس ان الثلج فيها عندما يغطيها فهو دافئ لانه يستمد طهارته من حبها، لقد كواني بناره ولم يزل وسيظل حبك الى الابد،وعهدا ان يتغلب على تكشيرة الذئب السلطوي المصر على النهش والجريمة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

لا للاستيلاء على الشاطئ..

featured

مساواة المرأة بالرجل، لا تخدم المرأة فحسب، بل تخدم المجتمع بأسره

featured

لِتتوقفْ حرب الإبادة..!

featured

هدم وتطهير بالمنطقة (ج)!

featured

لا استقرار بدون فلسطين!

featured

الطفلة رفيقة.. ومانيفست الضحية!

featured

هل بالإمكان تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية دون حروب كبيرة؟

featured

سمات مميزة تعكس عمق الازمة ولا تعكس مدلولاتها خيرا !