هل بالإمكان تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية دون حروب كبيرة؟

single

* استمرار الأزمة الاقتصادية الرأسمالية قد يقود إلى وضع حلول أخرى على بساط البحث غير الحلول "التصحيحية" الجزئية التي اتبعت حتى الآن، والتي تسعى إلى إنقاذ بعض المؤسسات الكبرى للنظام المصرفي والمالي في البلدان المتطورة اقتصاديًا، وتنشيط الاستهلاك الداخلي في هذه البلدان، والحد من الانعكاسات الدرامية المتوقعة للأزمة على بلدان العالم الفقيرة وقليلة الموارد *

قد يثير العنوان أعلاه بعض الاستغراب، خاصةًً في المناخات التي تسود الأجواء العالمية حاليًا، بعد انتهاء ولاية جورج بوش الابن في الولايات المتحدة الأميركية، ومجيء إدارة باراك أوباما، التي تبدو أقل عدوانيةً وأكثر عقلانيةً وانفتاحًا واستعدادًا للحوار والاستماع إلى الأطراف العالمية الأخرى، كما كرر أوباما نفسه في تصريحاته خلال جولته الأوروبية والشرق متوسطية الأخيرة.

 

* الأزمة الأكبر منذ أزمة الثلاثينيات الطاحنة


لكن واقع الأزمة الاقتصادية الحالية، التي انفجرت بشكل فاقع في أيلول من العام الماضي 2008 مع انهيار مؤسسة (ليمان براذرز) المالية والمصرفية في نيويورك، بعد أن كانت مؤشرات قوية أولى قد برزت على السطح منذ بدايات العام السابق 2007، واقع هذه الأزمة قد يكون أصعب بكثير مما يستطيع إصلاحه أسلوب أوباما السلس وإجراءات إدارته الجديدة.
فالأزمة كبيرة وعميقة، وربما ما زالت في بداياتها. ولا أحد يستطيع أن يتوقع منذ الآن متى ستنتهي، أو إذا ما كانت ستنتهي أصلاً... دون أن تترك آثارًا عميقة في الواقع الاقتصادي، وبالتالي السياسي العالمي.
فبعد أن كانت هناك نغمات كثيرة في بدايات اندلاع الأزمة تحاول أن تعطيها طابعًا محدودًا، وتقارنها بأزمات الركود المتعددة التي شهدتها الولايات المتحدة وبلدان ومناطق أخرى من العالم بشكل متواتر في العقود الأخيرة، وخاصة منذ السبعينيات الماضية، بات الجميع يقرّ الآن بأنها الأزمة الأعمق والأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وعمليًا منذ الأزمة الكبرى التي اندلعت في أواخر العام 1929، من الولايات المتحدة، أيضًا، ومن (وول ستريت) تحديدًا كذلك. وهي الأزمة التي استمرت طوال الثلاثينيات، وانتشرت لتشمل العالم كله تقريبًا، باستثناء الاتحاد السوفييتي، الحديث العمر آنذاك. والاستثناء السوفييتي له تفسيره: فالنظام الجديد هناك أحدث قطيعةً، بعد ثورة العام 1917، في العلاقة مع النظام الاقتصادي (الرأسمالي) السائد عالميًا.
وأحدثت تلك الأزمة، بتفاعلاتها، خضات كبيرة في أنحاء العالم. ومن بين إفرازاتها صعود نجم نماذج الحكم الفاشية، وخاصة بعد وصول الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا في أوائل العام 1933... وهو تطور قاد، في نهاية المطاف، إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي كلفت البشرية أكثر من 60 مليون ضحية من مختلف القارات والجنسيات، ودمارًا هائلاً في البنى التحتية وفي عمران وإنجازات بلدان العالم المختلفة. وهذا الدمار كان له استثناء كبير أيضًا: الولايات المتحدة، التي لم تدُر فصول الحرب على أرضها، إلا في يوم الهجوم الياباني الأول على أسطولها الحربي في ميناء (بيرل هاربر)، في جزر هاواي، في الشهر الأخير من العام 1941. في المقابل، شهد العديد من بلدان أوروبا وآسيا الشرقية والجنوبية الشرقية دمارًا هائلاً، أوصله الأميركيون أنفسهم إلى أوجه في نهاية الحرب مع اليابان في أول استخدام للسلاح النووي، بقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي في آب 1945.

 

* التهديد الأكبر للأمن القومي الأميركي


وليس غريبًا، في هذا السياق، أن يعتبر المسؤول الأول لجهاز الاستخبارات في إدارة أوباما الأميركية، الأدميرال المتقاعد دينيس بلير، أن الأزمة الاقتصادية العالمية هي "التهديد الأمني الأكبر على الأمد المباشر" للولايات المتحدة، حيث يمكن أن يقود استمرارها وتفاقمها إلى زعزعة الاستقرار السياسي في أنحاء العالم، والإضرار بحلفاء الولايات المتحدة، وإضعاف التقبل العالمي للتجارة الحرة، التي تدعو إليها الولايات المتحدة، على حد تعبيره أثناء شهادة له أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي في شهر شباط الماضي. ويضيف دينيس بلير في شهادته هذه: "إن الزمن هو ربما التهديد الأكبر لنا... فكلما تأخر زمن استعادة عافية (الوضع الاقتصادي)؛ تزايدت احتمالات الضرر الجدي بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة".
واللافت هنا أن الولايات المتحدة في عهد أوباما لم تعد تعتبر أن التهديدات والمخاطر على أمنها تقتصر على الجانبين العسكري و"الإرهابي"، كما كان متعارفًا عليه في عهد بوش، بل وسّعت هذا الإطار ليشمل الجانب الاقتصادي، وجوانب أخرى، لسنا بصدد معالجتها هنا.


ومن الواضح تمامًا أن استمرار الأزمة الاقتصادية الرأسمالية في الولايات المتحدة، كما في بلدان العالم الأخرى، قد يقود، ربما ليس في الأمد القريب وإنما في أمد متوسط، إلى وضع حلول أخرى على بساط البحث غير الحلول "التصحيحية" الجزئية التي اتبعت حتى الآن، والتي تسعى إلى إنقاذ بعض المؤسسات الكبرى للنظام المصرفي والمالي في البلدان المتطورة اقتصاديًا، وتنشيط الاستهلاك الداخلي في هذه البلدان، والحد من الانعكاسات الدرامية المتوقعة للأزمة على بلدان العالم الفقيرة وقليلة الموارد. وهذه الاعتبارات هي التي حكمت الإجراءات المالية الأولى لإدارة أوباما بعد توليه مسؤولياته في مطلع العام الحالي، كما وإجراءات الحكومات الأوروبية والآسيوية الأخرى، وإلى حد كبير، تلك القمم العالمية التي حاولت الخروج بحلول جماعية للأزمة، وخاصة قمة العشرين (ج 20) التي انعقدت في لندن في مطلع شهر نيسان، وشاركت فيها، إلى جانب الدول الصناعية المتطورة (ج7) وروسيا (ج8)، دول صناعية أخرى، مثل اسبانيا وكوريا الجنوبية وأستراليا، ودول صاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل، أو دول ذات احتياطات نقدية وقدرات استثمارية عالية، مثل المملكة السعودية، الدولة العربية الوحيدة الممثلة في هذا المجمع.
والمخاطر التي عبّر عنها المسؤول الأميركي الأمني الكبير في شهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي تبدأ، أولاً، باحتمال انفضاض متزايد لبلدان العالم عن نظام "التجارة الحرة" الذي دعت إليه الإدارات الأميركية المتعاقبة، خاصة منذ انتشار مدرسة "الليبرالية الجديدة" في سياق العملية التي أُُطلق عليها تعبير العولمة، بدءًا بإدارة رونالد ريغن (1981 1989)، التي تبنت هذه المدرسة، ودفعت باتجاه تعميمها عالميًا. والأدهى، طبعًا، بالنسبة لأصحاب النفوذ والقرار في الولايات المتحدة، هو احتمال الانفضاض ليس فقط عن "الليبرالية الجديدة" و"التجارة الحرة"، وإنما عن النظام الاقتصادي الرأسمالي بمجمله. وهو خطر لا يبدو حتى الآن داهمًا، ولكنه حاضر في أذهان أصحاب القرار ومحلليهم. وتُوفِّر تجارب بعض بلدان أميركا اللاتينية هنا صورة عن النموذج البديل المقترح، وعن الطريق الذي يمكن أن يقود إلى الخروج من نفق هذه "الليبرالية الجديدة" وتحكُّم مؤسساتها المالية بأنظمة العالم، وخاصة "العالم الثالث"، الأفقر والأقل حيلةً.
***
عودة إلى العنوان: قد يبدو الحديث عن الحروب في الأشهر الأولى لإدارة أوباما تجنيًا عليه، وعلى الوعود المطمئِنة التي جاء بها بالتخلي عن سياسات التفرد وسياسات الحروب الاستباقية العزيزة على قلب سلفه، والتي قادت إلى ما قادت إليه من مآسٍ ومآزق في العراق وأفغانستان ومن نزف كبير في لبنان وفلسطين، وهي مآسٍ كان يمكن أن تمتد إلى بلدان ومناطق أخرى.
ولا بد من الإقرار بأن باراك أوباما، نصف الإفريقي، يتميز، من جهة، على الصعيد الشخصي، بمستوى عالٍ من الذكاء والثقافة والكياسة مقارنة بسلفه الأهوج والمتعجرف، والجاهل إلى حد كبير، وهو يسعى في هذه الأشهر الأولى من ولايته إلى الحد من الخسائر وإصلاح ما يمكن إصلاحه بعد الدمار الكبير الذي حدث في عهد سلفه في مجالات عدة، بما في ذلك في المجال الاقتصادي، ومن جهة أخرى، يتمتع أوباما بفترة سماح وتساهل أولية داخل الولايات المتحدة تجاهه، خاصةً بسبب الوضع الاقتصادي المتردي لغالبية المواطنين.
فعلى الصعيد الاقتصادي الداخلي، وعدت إدارة أوباما بسلسلة من الإجراءات التي هي مزيج من عمليات إنقاذ للمؤسسات الرأسمالية الكبرى وعمليات تنشيط للاستهلاك الشعبي ومشاريع التطوير التي تفتح مجالات جديدة للوظائف والأشغال، بما في ذلك، مثلاً، تطوير البنى التحتية في أنحاء الولايات المتحدة، من طرق ومنشآت عامة، وتطوير مجالي التعليم والصحة وغيرها. وهي مشاريع تُذكّر بما قام به رئيس أميركي سابق هو فرانكلين روزفيلت في الثلاثينيات الماضية في محاولة للخروج من الأزمة الاقتصادية الكبرى التي كانت سائدة عندما تم انتخابه للمرة الأولى في أواخر العام 1932، وهي المشاريع التي أُطلق عليها تعبير (ذي نيو ديل)، أي "الصفقة الجديدة"، أو "العقد الجديد"، والتي استهدفت إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد الأميركي، المأزوم آنذاك.
ومع أن مشاريع إدارة روزفيلت هذه حققت في ذلك الحين بعض النجاح في بث الروح في الاقتصاد الأميركي، إلا أن الخروج الفعلي من الأزمة الاقتصادية الطاحنة لم يتم إلا بعد الحرب العالمية، التي دخلتها الولايات المتحدة في أواخر العام 1941. وهو أمر بات الخبراء الاقتصاديون يسلّمون به. فالحرب أفسحت المجال أمام الصناعات العسكرية الأميركية والصناعات الأخرى المساندة لها، وهي قطاع واسع من الاقتصاد الصناعي الأميركي، للازدهار والتطور والنمو، إلى جانب تلك الصناعات وقطاعات الإنتاج الأخرى التي كانت تمدّ الدول الحليفة بالدعم أثناء الحرب وبعدها.
وهذا التطور لم يقد إلى خروج الولايات المتحدة من الأزمة فحسب، بل إلى تحولها، بعد الحرب، إلى الدولة العظمى الأولى، بالأساس على حساب حليفاتها الأوروبيات، وأولاً بريطانيا، التي كانت حتى قبل عقود قليلة صاحبة النفوذ الأول في العالم. فهي، أي بريطانيا، خرجت من الحرب العالمية الثانية مدماة ومنهكة اقتصاديًا وماليًا، واضطرت بعد ذلك إلى التخلي التدريجي، ولكن السريع نسبيًا، عن معظم مستعمراتها، وخاصة الهند، "دُرة التاج"، في العام 1947، وعن مناطق النفوذ الواسعة الأخرى، بما في ذلك عن معظم منطقتنا الشرق متوسطية، خاصة بعد أزمة وحرب السويس في العام 1956، وهو التخلي الذي شمل لاحقًا حتى منطقة الخليج النفطية الاستراتيجية، التي حلّ فيها النفوذ الأميركي، شيئًا فشيئًا، محل نفوذ بريطانيا التاريخي.

(يتبع)


* كاتب وناشط يساري فلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

يتباهون بالعودة الى عهد الغابة !

featured

انتصارات لمحور المقاومة وبداية مرحلة جديدة

featured

قرار اليونسكو الخليلي

featured

جواهر أبو رحمة

featured

الهيمنة تجري في عروق النظام الأمريكي

featured

صبرا وشاتيلا والثالوث الدنس

featured

أجبروا بخاطر المستورة!

featured

نتنياهو المذعور يتصرّف كمستبد