ألم يُطلق القذافي على ليبيا، في لحظة تجلٍّ مشعة بالإلهام، صفة "العظمى"، وقبل ذلك قال إن ليبيا ليست جمهورية فقط، بل هي جماهيرية، وهذا الإبداع اللغوي المتين، الذي هو من شأننا نحن العرب فقط، يدل على الإمكانيات الهائلة التي تحملها لغتنا الجليلة، فليس الجمهور الذي منه تُشتق كلمة جمهورية، بل هي الجماهير التي منها اشتق القذافي كلمة "جماهيرية"، فالجمهور هو حالة الناس في وضع خامل وحتى سلبي، بينما كلمة الجماهير تعكس حالة الجمهور في حالة تفاعله وحماسه وكما هو معروف فنحن إما ننشد إشادة بالزعيم أو، ومن قاع القفة إلى دنيها أو بالعكس، نهتف "وين الملايين"، ولو أدرك القذافي أن هنالك من يحمّل كلماته كل هذا البحث العلمي الصارم، كما يفعل كاتب هذه السطور، لكان تفرغ للكتابة، وربما كان ذلك أفضل له ولأهلنا في ليبيا.. ولعل هذه التسمية الجماهيرية، التي أبدعت أشكالاً غريبة عجيبة في إدارة الدولة الليبية، هي التي جعلت من وفد القذافي إلى إيطاليا، يعج بكل هذه الجماهير، فيُقال إن حوالي ثلاثمائة من المرافقين قد خرجوا معه في جولته الأخيرة إلى إيطاليا، ولا حاجة للتذكير أن هذا الوفد المصغر، الثلاثمائة سعداء الحظ، قد خرج على حساب الجماهير "الغفورة"، (كما هتف أحدهم في إحدى مسرحيات الرحابنة).
جاءتني هذه التداعيات، بينما العالم، خاصة في إسرائيل، منفعل من الخطاب الجريء الذي ألقاه رئيس الحكومة نتنياهو في جامعة بار إيلان هذا الأسبوع، وخاصة بشأن ذكره الجملة السحرية: "دولتين لشعبين"، التي طالبه الرئيس الأمريكي أوباما بإقرارهما مبدأ للتفاوض، ولذلك يستطيع نتنياهو أن يطلق ما يشاء على اختراعه العجيب هذا، فهو ليس أقل من القذافي، وخاصة أن أبناء عمنا اليهود يتعلمون منا، فيمكنه القول أيضًا: "دولة عظمى"، حتى ولو أنه حدد صلاحيات هذا الكيان بأقل من صلاحيات مجلس محلي، لا جيش ولا معابر، وبالطبع بدون القدس، وبدون حدود الـ 67، وبالتأكيد بدون حل قضية اللاجئين و.. حبة المسك الأخيرة كانت استمرار الاستيطان، ولكن، وهذه لكن كبيرة جدًا، فهو لا يعارض أن تملك هذه الدولة فرقة كشافة وفرقة أناشيد.. طيب الله الأنفاس.
بالضرورة صلاحيات هذا الكيان هي أكثر من صلاحيات كيان مجلس محلي، إنها صلاحيات مجلس إقليمي، مجلس كانتونات، وبالضرورة سيتطلب عقد كل جلسة لهذا المجلس الحصول على تصاريح من وزارة الداخلية، الإسرائيلية بالطبع، لعبور الحواجز، الإسرائيلية بالطبع. وستكون مفاجأة طيبة وبادرة خير إذا لم يشترط نتنياهو، في المراحل الأخيرة من الاتفاق الحصول على الحق في حل مجلس إقليمي فلسطين، وتعيين لجنة معينة، وقت الضرورة.
وبما ان الصحافة تحب صنعة الاستعارات، فهنالك من يقول إن نتنياهو في خطابه في بار إيلان، "أسس دولة فلسطين"، على وزن ما قاله هرتسل، قبل أكثر من مئة عام "في بازل أسست دولة اليهود" فلمزيد من الدقة نقول، على لسان نتنياهو: "في بار إيلان أسست مجلس إقليمي فلسطين"، وسنهتف في المظاهرات: "دولة ومجلس إقليمي للشعبين"، ولئلا نُفهم خطأً، ويخربط سيئو النية بمن المقصود لكل كيان، نقول بوضوح، "دولة إسرائيل ومجلس إقليمي فلسطين".
