غداةَ كل اقتتال تقتلنا فيه نزوات وغرائز الطائفية البغيضة، يجتمع الزعماء من موقع الاقتتال ومن خارجه ليعلنوا أسفهم واستياءهم وإدانتهم باحثين وبصراحة تأتي متأخرة عن المناعة الاجتماعية والحضارية التي هجرت مجتمعنا والتي يريدون إحياءها وبعثها من جديد لرأب الصدع بل الصدوع التي نغوص في أوحالها.
إن الذي حدث مؤخرًا في أبو سنان وقبلها في قرى أخرى مؤسف بل مَعيب. وهذا المؤسف وهذا المَعيب سيبقى نارًا تحرق أمننا وأماننا مع نماء انتماءات التعصب الطائفي!! على طوائف عربنا ان تنصهر في طائفة واحدة اقترح تسميتها (طائفة القرية) التي تجمع سكانها بكل أطيافهم الدينية والحمائلية تحت سقف واحد لا مكان تحته للتشرذم والانقسام. هذه الطائفة ستبقى ضالتنا المنشودة إذا بقينا على ما نحن عليه من تباعد يبعدنا عن قيم الروح التي وحّدتنا عليها أدياننا.
بُعَيد الاقتتال وسقوط الأبرياء وجلجلة أصوات الحقد والكراهية يجتمع رجال الدين والدنيا لرثاء حظّنا العاثر وإلقاء الخطب الرنانة ناشدين ومنشدين للصلاح الذي هجر عقول أجيالنا الشابة غافلين المسؤولين عن هذه الهجرة القابعين في بيوتنا أولا وفي مدارسنا ثانيًا!
البيت هو المدرسة الأولى.. فيه يكبر الأولاد على الشِيَم والقيم وفيه يتعلّم الأولاد من الأهل الطيبين وفضائل المحبة والاحترام داخل البيت وخارجه. عندما ينشأ الأولاد – لأسفنا – على غير ذلك فتصويب السهام نحو الأهل شرعيّ ومبرّر.
في غياب رعاية الأهل لقيم المحبة واحترام الرأي الآخر يؤجج الاهلون نيران الكراهية – كراهية الآخر والرأي الآخر – مناصرين أبناءهم في اقتتالهم غير السوي وغير العادل مع الآخرين وتحديدًا إذا كان الآخرون من طائفة غير طائفتهم.. هكذا ينشأ الأبناء نافرين من كل من لا يحمل إيمانهم وعقيدتهم. في هذه التربية نهيئ أولادنا لقتال يقتل أمن وأمان وطننا.. في بيوت كهذه غير مسكونة بالصلاح يتحوّل الأبناء إلى عنصريين مسلحين برصاص الحقد ورصاص حيّ وغير حيّ يوجهونه نحو صدور الآخرين. في هذه الأجواء تتحول مدارسنا إلى منصات تشرذم بغالبية طلاب يأتون من بيوت لا صلاح فيها.
إن زيارة واحدة لمدارسنا تكفي لمشاهدة قبائح الانقسام وانفلات الوحش الطائفي في الصفوف والباحات! في الصف نجد المسلم جالسًا بجانب المسلم والمسيحي بجانب المسيحي والدرزي بجانب الدرزي.. وفي الساحات وأثناء الاستراحات نرى الطلاب منقسمين كما في الصفوف! أما سلاح الفيسبوك الذي ترتع سهامه في كنانة كلِّ طالب من طلابنا فهو ليس للتواصل الاجتماعي بل للاشتباك الجماعي: هذا يحقر ويغتاب مَنْ مِنْ غير دينه أو مذهبه.. وهذا يتعرض لعِرض الأخريات من غير طائفته.. وآخر يدسُّ اسم من ليس له ضلع في مشكلة لتأجيج نيران المشاكل لتحرق بألسنة لهيبها مؤسساتنا أولا ومن ثم بيوتنا!!
كل هذه الموبقات تحدث في بيوتنا وفي مدارسنا!! من المسؤول عن هذا كله؟ لنملكِ الجرأة ونوجّه أصابع الاتهام لمن يدير بيوتنا ويرعى مدارسنا.
على بيوتنا ان تنتصب قامات شامخة لتفرز مدارس دفء ومحبة تحت سقوفها تعيش وتتعايش طوائفنا وأمتنا الواحدة.. إنه لمذهل ان ينحوَ احدنا منحى الانقسام مطالبًا بإقامة مدرسة لكل طائفة تمهيدًا لتمزيق أمتنا في دويلات أو إمارات طائفية بغيضة.