يا أشرف منهم!

single

السجن هو السجن في إسرائيل وأمريكا وروسيا وسوريا والسعودية والعراق ومصر... السجن هو السجن في كلّ مكان. لكنّ ظلم ذوي القربى يظلّ أشدّ إيلامًا أو مضاضة. ما خبرته في سجن الجلمة كان كافيًا لأدرك معنى أن يفقد الإنسان حريّته التي ولدته أمّه لها. في السنتين الأخيرتين قرأت أطروحتين للدكتوراة بحجم ألف صفحة على وجه التقريب لطالبتي الدكتورة لينا الشيخ – حشمة والصديق الدكتور محمّد هيبي. وهالني ما قرأت ولم يذهب عنّي روعي. ما قرأته عرّفني على حجم المأساة التي يعيشها المثقّف العربيّ من أقصاها إلى أقصاها. عرفت أنّ سلاطيننا يخشون الحبر في القلم أكثر ممّا يخشون الرصاص في البندقيّة، ويخشون خطوط الرسّامين أكثر من خوفهم في خطوط النار. في خطوط النار تنجدهم الطواغيت الكبرى وتمدّهم بمدد يبقيهم ويشقينا، ومن ينجدهم هنا إذا نطق الحبر بالحقّ عند مليك ظالم؟!
       كان ذلك مطلع صيف 1982 حين حللت ضيفًا على بعض الأصدقاء في مساكن الطلبة في جامعة حيفا لأبيت ليلتي عندهم. لكنّي لسوء حظّي بتّ تلك الليلة في سجن الجلمة والليالي الستّ التي تلتها. كانت الأجواء مكهربة ومشحونة بآثار الحرب والدم والموت، الحرب على شعبنا الفلسطينيّ في لبنان. في ليلة من ليالي هذه الحرب المشؤومة قامت معمعة صغيرة غير مفاجئة  بين أحد الطلّاب اليمينيّين وأحد الطلبة العرب في مساكن الطلبة لم يُعِدّ لها أحد لا خيلًا ولا عدّة ولا عتادًا. بعد أقلّ من ساعة كانت قوّة كبيرة من رجال الشرطة وحرس الحدود تحتلّ مساكن الطلبة كلّها. حمّلونا مع ستّة أو سبعة طلاب بـ "البوسطة"، والطريق إلى الجلمة كانت معبّدة ممهّدة. في الجلمة كان الوقت يقُاس بالدقائق، والدقيقة بألف ممّا تعدّون. وحين كان السجّانون يطفئون الضوء قبيل انتصاف الليل كنّا نستحلف النوم أن يأتي، نرقب الفئران الطليقة التي كانت تجول بين الأسرّة لا سجّان يمنعها ولا رقيب يرقبها. كانت الفئران هي الوحيدة التي يُسمح لها بأن تنعم بحرّيتها في السجن. في الصباح حين يلحّ الجسد المرهق عليك ليقضي حاجته تجد الأبصار كلّها مصوّبة إليك والآذان منصوبة بدقّة تسمع دبيب النملة. وكيف تفعلها والمراحيض في الغرفة الكبيرة بدون باب يستر العورة؟! انتظرنا الفرج بصبر أيّوب. وكيف تنفرج والأمعاء تكاد تنفجر من شدّة الضغط؟! سبع ليالٍ عجاف قضيتها مع صحبي في سجن "الجلمة" أدركت بعدها أنّ للإنسانيّة في السجن طعمًا آخر وأنّ للوقت فيه إيقاعًا مغايرًا وحسابات أخرى.
       في كلّ مرّة أقرأ فيها أو أسمع شيئًا عن أسرانا المعذّبين في سجون الاحتلال أشعر بانقباض شديد غريب، وحين أقرأ أو أسمع أنّ أحدًا من الكتّاب والمثقّفين والمبدعين في الوطن العربيّ الكبير قد قدّموه قربانًا هديّة لسجونهم أشعر بقشعريرة أشدّ وأغرب! نقول في لغتنا العربيّة الجميلة في دقّتها: "أُودع فلان السجن"، والصواب أن نقول: "أُهدي فلان إلى السجن". أمّا الوديعة فمستردّة أمّا الهديّة فلا تُردّ، وقد لا تُهدى ولا تُباع وإن كانت تُباد. "تُباد"؟! نعم هكذا يقول بعض الغلاة المفترين أمثال زكريّا تامر في قصّته "السجون الخاوية".
وأنت يا أشرف فيّاض لماذا تنكر النعمة؟! كنت ميّتًا بحدّ السيف وأعادوك إلى الحياة التي صرت تكرهها وهم فيها. كلّها ثماني سنوات تقضيها في السجون الملكيّة منعّمًا وثماني مائة جلدة بالكرباج الملكيّ أرقّ على جسدك الغضّ من تدليك تايلندي. صحيح، هذا التدليك بالكرباج على دفعات أو وجبات، لكنّه في نهاية الأمر كلّه من نصيبك، فلم العجلة؟!  وبعد كلّ هذا ما زلت تنكر نعمتهم عليك يا أشرف منهم؟!  عيب! 


قد يهمّكم أيضا..
featured

نضال شعبي ضد الحكومة

featured

"اصوات النهضة"

featured

جرائم الارهابيين في سوريا

featured

ابا عادل! سلام

featured

"الاتحاد"... المنبر الذي لم ينكّس الراية

featured

النكبة تفتِّش عن مفاتيح الفرج

featured

إمارة غزة بين حماس وقطر