هناك سنوات ضوئية وهناك سنوات فلسطينية، السنوات الضوئية تركض في الفضاء دون تحديد والسنوات الفلسطينية تكتشف عبر سيرها السلحفائي الخطوات البائسة المرتخية التي نسيت الركض وسقطت في وحل الثرثرة والاجتماعات والمنصات واللقاءات وكلام الليل المتآمر الذي يحضنه النهار المتواطئ، مع أن التاريخ علمنا أن الصبر مفتاح الفرج وأن الثوري في هذا العالم يجب أن يحمل تفاؤل المقاوم الذي يؤمن ان الغد والمستقبل أفضل من اليوم، لكن ما أن تمر ذكرى نكبة فنسقط رغما عن أنفسنا في مستنقع الحزن ونتساءل الى متى؟
في ذكرى النكبة يوم 15/5 نفتح الارشيفات - مهما كانت درجة حرارة فلسطينيتك - فالوجع الفلسطيني لا يملك ارشيفا واحدا فلكل هم وحزن وآهات ارشيفات عدة.
هل نتكلم عن الرحيل القسري المصحوب بالخوف والمجازر وهدم القرى واحتلال المدن والشتات واللجوء والخيام والمخيمات التي أصبحت العناوين الثابتة للذل والمعاناة الفلسطينية في الدول العربية والمثل الشعبي (رضينا بالهم والهم مش راضي فينا)، لأن في كل دولة عربية مخيمات تؤوي اللاجئين، وقد وضعت المخيمات تحت نار التجارب السياسية في مختبر الولاء في تلك الدولة، وعلى الفلسطيني المقيم فيها ان يثبت ولاءه يوميا، وأن يصلي ويسبح بحمد النظام العربي من صباح حتى المساء ويكون شعاره يا رضى النظام ورضى الله عليه.
هل نتكلم عن الفقر والجوع والحرمان والبطالة ومحطات الطرد وعدم الاعتراف بالفلسطينيين والقسوة التي يتعاملون بها من منطلق (انت الغريب جاي تشاركنا دولتنا) وعليهم ابراز الوفاء للدولة في اللحظات الحرجة وفي كل الظروف، وعلى الرئيس والملك والزعيم ان يبقى في حالة فحص يومي لدمه كي لا ترتفع نسبة كرهه للفلسطينيين حتى لا تقوم القيامة على رؤوسهم.
هل نتكلم عن مصادرة الاراضي والحصار والمستوطنات والانفاق والاسرى الذين تحولوا الى ارقام بعد ان كانوا مقاومين من لحم ودم لهم طموحاتهم ورؤيتهم النضالية، لكن سوس المفاوضات العبثية نخر في الارواح والعقول والاحلام حتى تحولوا الى وبأ يتجنبه القادة والمسؤولون الفلسطينيون واذا تكلموا عنهم يتكلمون من باب رفع العتب.
هل نتكلم عن قتل الحلم الفلسطيني باقامة دولته وعودة اللاجئين عبر تجاهل مأساته وتكالب الدول العربية والغربية على اختراع الفاظ ومبادرات وخطط تفضي الى مستنقعات موحلة يغرقون فيها الفلسطيني أكثر وأكثر.
هل نتكلم عن كلمة (المصالحة) التي تستفز الواقع المهين والذي يؤكد ان الصراع بين فتح وحماس هو صراع مخزٍ لا يليق بشعب ما زال يرزح تحت الاحتلال وتتم مصادرة ارضه بصورة يومية، الصراع على سلطة وهمية وبقايا ارض تستطيع اسرائيل عبر صراعكم - الحمساوي الفتحاوي - الدخول اليها والتربع على بساطها دون ان تهتز شعرة في رأس أي مسؤول، كيف تتصارعون وتتقاتلون على جلد الدب قبل اصطياده، كيف تتصارعون على مفاتيح لا تملكونها وبوابات تستطيع اسرائيل ان تقفلها بوجوهكم متى تشاء.
نعرف في ادبيات المقاومة والشعوب التي وقعت تحت نير الاحتلال ان أي خلاف يؤجل حتى التحرير وطرد المحتل وتحقيق المطالب الشعبية، لكن الخلافات الفلسطينية بين الفصائل خاصة بين فتح وحماس وصلت الى حد تراجيديا اللامعقول، والذي يراهن على نفسية الفلسطيني عليه ان ينزل الى الشارع ويدخل البيوت ليسمع نبض الناس ويعرف أن اليأس من رجاله ومن قادته أصبح لا يوصف من شدة القهر.
الا يكفي الدول العربية التي تعتبر القضية الفلسطينية في جيوبها وتتاجر بها كلما دخلت في مأزق الضعف وارادت التواطؤ مع الدول الغربية، الا يكفي الاستراتيجيات الفلسطينية المفتوحة على الجهات العربية والتي حولت قضيتها من قضية حق وعدل الى خيوط تنسج كي تتحول الى اعشاش تبيض التنازل تلو التنازل.
منذ عام 48 عندما كانت تحل ذكرى النكبة تخرج البكائيات والنواح والصور المؤلمة ترافقها الاغنيات والدبكات والاحلام العريضة الواسعة بالعودة والخطابات المفعمة بالتصميم حيث ينام الفلسطيني مطمئنا ان السنة القادمة سيكون في بيته وقريته ومدينته التي هجر منها.
لكن سنة بعد سنة هناك تراجع في الآمال التي تحولت الى كوابيس مع مواقف الدول العربية التي تذوب مثل قطع الصابون على ارضية الحمام الامريكي الاسرائيلي، ومن موقف السلطة الفلسطينية المزنر باتفاقيات وضعف وتنازل وتراخٍ لا يليق بحركة تحرر وشعب تعب من المنافي ومن الصمود والسجون.
في البدايات خاصة في الستينيات بعد اقامة منظمة التحرير وقرار مؤتمر الرباط عام 1964 اعلان منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كانت الاغنيات تنهمر كالمطر، نفتش عن البريق والضوء الساطع للحق والعدل والعودة، نفتش عن صوت عبد الوهاب وهو يردد:
أخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدا
طلعنا عليهم طلوع المنى
فكانوا هباء وكانوا سدى
كانوا يلومون في الستينيات بلطف وعتب الانظمة والشعوب العربية التي تقاعست وتخاذلت ولم تساعد الفلسطينيين وقاموا بتقريع الضمائر عبر (أخي جاوز الظالمون المدى) لحثهم ودفعهم الى ميادين الحق، ماذا سيقولون اليوم بعد ان نام الظلم والمدى فوق صدر الفلسطيني، فبالعكس نردد اليوم:
واخوان حسبتهمو دروعا
فكانوا.. ولكن للأعادي
وخلتهمو سهاما صائبات
فكانوها ولكن في فؤادي
هل سنغني الاغنية التي كانت تغنى سرا في شوارع الدول العربية عندما انتصرت فيتنام على امريكا:
(فيتنامي يا فيتنامي
يا ابن العز والكرامة
انت وراك هانوي
وانا وراي حرامي)
في ذكرى النكبة الـ 65 تموت الكلمات والصرخات ولا تبقى الا الفضائيات التي تجد الفرصة لملء الساعات وتحليل الاوضاع التي ليست بحاجة الى تحليلات بل الى سواعد ومواقف وهمم وقامات ترفض الانحناء، هل بقي شيء في قاع كأس السم لا ندري كيف سيكون شكل الذكرى القادمة؟!
هل نصرخ مع شاعرنا محمود درويش ونكتفي بتأمل المشهد المأساوي وننتظر الأقدار..
سقط القناع عن القناع
لا اخوة لك يا اخي لا اصدقاء
يا صديقي.. لا قلاع
لا الماء عندك ولا الدواء ولا السماء
ولا الدماء ولا الشراع و الامام ولا الوراء
لا لا احد
سقط القناع
عرب اطاعوا رومهم
عرب وباعوا روحهم
عرب.. وضاعوا
سقط القناع
عذرًا أيها القارئ انها محاولة فشة خلق في أيّار النكبة، مع ان كل يوم عندنا نكبة.
