فارس من فرسان الرعيل الأول ترجل

single


"خذ إقرأ..." وأعطى جمال موسى لكمال غطاس نسخة من بيان "عصبة التحرر الوطني" بخصوص قرار "هيئة الأمم المتحدة" القاضي بتقسيم فلسلطين الى دولتين. وكان جمال يحمل رزمة من البيان لتوزيعها في حيفا (لقد صادف توزيع البيان قدوم كمال لزيارتنا في حيفا، حيث تربطنا به صلة قرابة وثيقة). بعد أن قرأ البيان أبدى إعجابه به. فسأله جمال إذا كان مستعدًا لتوزيعه في عكا (كان يسكن كمال، حينها، في عكا إذ كان يعمل في شركة "الريفاينري" لتكرير البترول)، فأجابه بالإيجاب. وفي اليوم التالي قام بتوزيعه في سوق عكا. أثناء التوزيع هاجمته شلّة من الزعران وحاولت الاعتداء عليه فدافع عن نفسه ببسالة.
منذ ذلك اليوم انضمّ كمال الى العصبة وأخذ ينشط من خلالها مع رفاق عكا، جنبًا الى جنب، طيّبي الذكر رمزي خوري، زاهي كركبي، أحمد شحادة وغيرهم.
عند احتلال حيفا من قبل "الهاغاناه" رحل عنها، ضمن من رحل من سكان المدينة، رفاق العصبة القرويون ومن بينهم: جمال ونديم موسى الى قرية البعنة، خليل خوري الى قرية البروة، عساف حناني الى قرية المكر، جبرائيل وأنطون بشارة الى ترشيحا. وبعد احتلال عكا رحل عنها رمزي خوري الى قرية البعنة، كمال غطاس الى قرية الرامة وأحمد شحادة الى قرية كفرياسيف.
لقد تشكّلت في هذه الأثناء، بإيعازٍ من الرفيق توفيق طوبي، لجنة منطقة لكي تقود العمل الحزبي في الجليل الغربي. وبتوجيه من هذه اللجنة باشرنا، نحن الرفاق بمن فيهم كمال غطّاس، بالعمل بين الناس لإطلاعهم على مجريات الأحداث وكشف تفاصيل المؤامرة التي تُحاك ضدّ شعبنا الفلسطيني وفضح مهمة الجيوش العربية، ومنها "جيش الانقاذ"، التي تمثّلت ليس بقذف اليهود في البحر، كما كانوا يدّعون، وإنّما بمنع قيام الدولة الفلسطينية. في تلك الفترة صدر بيان الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية (العراقي، اللبناني، "عصبة التحرر الوطني" في فلسطين) الذي شرح بالتفصيل أبعاد المؤامرة التي باتت قيد التنفيذ. لقد وُزع هذا البيان في جميع قرى الجليل الغربي في نفس الليلة وكان الرفيق كمال هو من أوصل رزما منه الى الرفيق حبيب زريق من قرية عيلبون لتوزيعها هناك كما قام بتوزيعه في قريته - الرامة .
هذا البيان أثار غضب قيادة "جيش الإنقاذ" التي بدأت بمطاردة الشيوعيين، متوعّدة بشنقهم على الملأ في قريتي الرامة ومجد الكروم لكنّها لم تفلح في ذلك.
عندما احتلّت "الهاغانا" الجليل الغربي قامت بأعمال وحشية، منها القتل بدمٍ بارد، الترحيل والاعتقال. ففي قرية مجد الكروم قتلوا تسعة شبّان ورحّلوا أهلها، وفي قريتي البعنة ودير الأسد قتلوا أربعة شبّان وطردوا النساء والأطفال باتِّجاه سوريا أما الرجال فاعتُقلوا ونُقلوا لاحقًا الى معسكرات اعتقال.
كذلك الأمر في قرية الرامة، فقد اعتقلوا الرجال ثمّ انتقوا مجموعة منهم استعدادًا لقتلهم رميًا بالرصاص . وكان في هذه المجموعة كمال واخوته، لكن شاءت الصدف أن يمرّ في المكان "البوليس العسكري" الذي منع وقوع المذبحة.

من بين المعتقلين الذين نُقلوا الى معسكر الاعتقال في "عتليت"  كان سبعة عشر شيوعيًا منهم جمال موسى، رمزي خوري، كمال غطّاس، حبيب زريق، كاتب هذه السطور وآخرون.
في المعتقل كانت معاملة الحراس لنا سيئة للغاية، حيث انه في اليوم الأول لوصولنا قام أحد الحراس باطلاق النار بدون سبب على أحد المعتقلين وأرداه قتيلًا. عندها بادرنا، نحن الشيوعيين، بتنظيم وقيادة مظاهرة شارك فيها المعتقلون في المعسكر، اضطّر على اثرها "الصليب الأحمر" للتدخل وتمّ توقيف الفاعل.
في أحد الأيام قام "شاويش" المعسكر بضرب أحد المعتقلين من قرية البعنة، فما كان من الرفيق كمال ورفاقٍ آخرين إلاّ أن هاجموا هذا "الشاويش" وأوسعوه ضربًا. على اثر هذه الحادثة تمّ نقل هذا "الشاويش" من المعسكر. لقد كان للرفيق كمال غطاس دورٌ بارزٌ في جميع النضالات التي قادها الشيوعيون في المعتقل.
بعد مرور خمسة أشهر على اعتقالنا قررت إدارة المعسكر إطلاق سراحنا، فجمّعونا في ساحة وأخذ أحد الضبّاط بتلاوة أسماء المعتقلين. وعندما نادى باسم المعتقل الأول أجاب هذا بكلمة "حاضر". فما كان من الضابط إلاّ أن أشبعه شتمًا ثمّ أمره بأن يجيب "حاضر يا سيدي" وهكذا أجاب بقية المعتقلين الذين نودي بأسمائهم. عندما جاء دور كمال أجاب بكلمة "حاضر" فقط على الرغم من أنف ذلك الضابط.
بعد خروجنا من المعتقل وعودتنا الى قرانا أصبحنا نعيش في واقع جديد يرزح تحت وطأة الحكم العسكري فبدأنا بتجنيد الناس وخضنا نضالات متتالية ضدّ مصادرة الأراضي، تصاريح التنقّل، البطالة، الطرد خارج البلاد بحجة التسلّل وضدّ فرض "الهويات الحمراء" وقد كان للرفيق كمال دور هام في جميع هذه النضالات.
أحد النضالات المهمة التي قادها الشيوعيون في منطقة "الجليل الغربي" في تلك الفترة كانت تنظيم وإنجاح إضراب عمال الزيتون ضدّ ملّاكي الأراضي الذين كانوا يحدّدون أجور العمال بالإتفاق فيما بينهم ودون التفاوض مع العمال. هذا الإضراب انتهى بارغام ملّاكي الأراضي على التفاوض مع العمال حول أجورهم. لقد كان والد كمال غطّاس أحد الملاّكين في الوقت الذي كان هو يحرّض العمال على الإضراب  مما حدا بوالده أن نهره قائلًا: "وَلك كيف بتعطِّل فعول ابوك" فأجابه أنّ العامل يجب أن يحصل على حقّه.
لقد كان للرفيق كمال دور هام في النشاطات الحزبية في قريته وفي المنطقة. فهو أول من وزّع جريدة "الإتحاد" في الرامة وكان يذهب، سيرًا على الأقدام، الى قرية بيت جنّ لتوزيع الجريدة هناك، كما ساهم في إقامة فرع للحزب الشيوعي فيها. وكنتيجة لنشاطه في العمل الحزبي انتُخب عضوًا في لجنة المنطقة في الجليل الغربي ومن ثمّ رئيسًا للجنة المراقبة المنطقية ومع الوقت أصبح محترفًا في العمل الحزبي.
الرفيق كمال أمضى حياته في النضال من أجل شعبه ومن أجل غدٍ أفضل للإنسانية مقدمًا التضحية تلوَ الأخرى. كان إنسانًا ثوريًا، متفائلًا على الدوام، قابضًا على الأمل حتى آخر أيامه. أحبّ الناس ودافع عنهم من كل غبن . كان شجاعًا ولم يهب سطوة الظلم والظالمين. كان محبًا للحياة، خفيف الظّل، ذا أريحية يهنأ الشخص برفقته . أحب أقاربه ورفاقه وأحاطهم بالدفء والعناية.
لقد كان زوجًا مثاليًا لرفيقة دربه - أم مازن، أطال الله في عمرها.
سوف نفتقدك كثيرًا في السهرات والمناسبات العائلية وسنتحسّر على أننا لن نسمع صوتك بعد وأنت تغنّي الأغنيات التي أحببناها وإياك.
رحيلك كان صدمة لي وخسارة كبيرة لكل من عرفك فأنت من ذلك الرعيل من المناضلين الذي سطّر معركة الصمود والبقاء في هذا الوطن.
وداعًا يا رفيق العمر ورفيق الدرب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مطلوب سفن لنقل اليهود

featured

ويبقى الحبُّ هو السّرُّ

featured

"عن الأرض واليوم التاريخي الفاصل:يوم الأرض."

featured

زيارة بعثة الـOECD إلى إسرائيل

featured

ليس هناك شريك إسرائيلي الآن

featured

لماذا يصر المعلمون على شعار "كرامة المعلم" ؟!

featured

لجنة المتابعة العليا: من ترتيب البيت إلى معارك البقاء والمستقبل

featured

ضد التحالف المقدس المكرس لإنقاذ المصرفيين