"الأرض هي حيز الوجود والبقاء،وحيز التطور والحياة للجماهير الفلسطينية في البلاد. وليس فقط كومة تراب وصخور نحبها..."
فكان من الطبيعي ان ينسجم قرار إعلان الإضراب مع الحاجة لأداة نضالية قوية للدفاع عن قضية مقدسة مثل قضية الأرض..
*القرار*
"الشعب قرر الإضراب".. بهذه الكلمات أنهى القائد والشيوعي رئيس بلدية الناصرة الشاعر توفيق زياد الاجتماع الذي حسم واقر إعلان الإضراب في الثلاثين من آذار عام 1976 نداءً وتلبية للحاجة الموضوعية بالدفاع عن الأراضي التي صادرتها حكومات إسرائيل المتعاقبة في الجليل والمثلث.
"الإضراب " ليس مجرد كلمة أو شعار أو إعلان يصرخ به مسؤول أو قائد..فهذا لا يكفي لنجاحه كتحرك سياسي سلمي يسعى لتحقيق هدف ما.."الإضراب" مسؤولية تنظيمية وتعبوية وتنفيذية واقتصادية وإدارية ومالية" على المعلنين عنه ان يكونوا على قدر من التنظيم لضمان نجاحه. فنجاح الإضراب له مدلولات وله نتائج.. وفي النهاية إضراب ناجح هو "أداة تضرب في بطن مؤسسة الدولة..سياسيا واقتصاديا". فللإضراب تبعات اقتصادية بفعل عدم التداول المصرفي وعدم الإنتاج وعدم التبادل المادي والتسويقي..وهو حالة سياسية تقول للمؤسسة انه هناك قوى شعبية تعارض قراراتها فتلزمها بتغيير قواعد التعامل الظالم مع الجمهور المضرب..
إذًا "الشعب العربي قرر الإضراب".. هو قرار سياسي مصدره وجذوره في القواعد الشعبية في القرى والمدن العربية..أ ما "المهندسون" للإضراب..فهم قيادة سياسية شعبية تعرف استعمال أدوات النضال بحكمة فكان الرؤساء وعلى رأسهم القائد توفيق زياد وزملاؤه الرؤساء وآخرون... ولا اكذب أو "ازاود" أو أزيف التاريخ ان قلت "وأنا على علم بهذه الحقيقة" ان فكرة الإضراب وطرحها والسعي لتنفيذها وإنجاحها كأداة نضالية لتحقيق هدف منع مصادرة الأرض العربية واستعادة قسم من الأرض "أي تحريرها من المصادرة".. كان قرارًا بحث واتخذ أولا في مكاتب المكتب السياسي للحزب الشيوعي في احد شوارع تل أبيب ألضيقة ولاحقا في بيت الفنان الوطني عبد عابدي في حيفا ومكاتب الحزب والاتحاد،والذي وصل لقناعة تامة،بعد تحليل الظرف ودراسته ان معركة الأرض والدفاع عن ما تبقى منها "بكون الأرض حيز الوجود وحيز التطور والحياة للجماهير الفلسطينية في إسرائيل".. وليس فقط كومة تراب وصخور"...قناعة ان الإضراب هو الأداة أو "السلاح" الأنجع لتحقيق الهدف..وان ما من أداة أخرى تفيد للتصدي لقرارات الحكومة في موضوع الأرض الحارق مثل الإضراب.
وفعلا جاء القرار واستطاع الشيوعيون إقناع القيادات وتم "تبنيه".
*الأرض، الوجود*
الأرض حيز الوجود والحياة والتطور..ب كلمات أخرى التنازل عن "الأرض " يعني التنازل عن قيم الحياة والبقاء والتجذر والتطور..".. ولشعب مر أزمة النكبة وإسقاطاتها السياسية والتاريخية والعسكرية والديموغرافية والاقتصادية والنفسية والمجتمعية..وحتى الأسرية..وشعب بقي في أرضه رغم هول الكارثة. وبعد 30 عامًا.. منها.. وتحد جديد لجيل جديد.. (من ولد عام النكبة 1948 صار عمره 28 عاما " في آذار 1976)..فأمام هذا الجيل لم يبقى للدفاع عن أرضه إلا أدوات كبيرة كالإضراب. فكان من الطبيعي ان ينسجم قرار إعلان الإضراب مع الحاجة لأداة نضالية قوية للدفاع عن قضية مقدسة مثل قضية الأرض...هذا الانسجام بين الفكرة والحاجة وتتويجه بقدرة تنظيمية أفقية واسعة في القرى في اطاراللجان المحلية للدفاع عن الأراضي، وعمق الارتباط والتواصل بين الكوادر الحزبية للحزب والناس ..كلها مجتمعة ضمنت نجاح الإضراب..وتحويله ليوم كفاحي فلسطيني بل عالمي..
*نجاح المهمة بالإضراب*
إن الانتماء الفكري المتعدد للناس لم يمنعهم في إقامة الوحدة الكفاحية في موضوع الأرض والدفاع عنها..فكانت لجان الدفاع عن الأراضي متشكلة من الشيوعيين وأصدقائهم ومن ممثلي حركات وهيئات وأحزاب أخرى، وكان تنفيذ الإضراب وإنجاحه مهمة الجميع الذين أفاقوا في الصباح ليتحدثوا إلى العمال والفلاحين والطلاب ليبقوا في بيوتهم..كما شهدت الفترة السابقة للإضراب نشاطًا تعبويًا وحالة تجهيزية عليا.. فكان الانتماء للحالة السياسية التمردية على المصادرات لسلطوية سيد الموقف.. فالانتماء للإضراب هو انتماء للأرض....وهو انتماء للوجود والبقاء والتطور... وهو انتماء لمعسكر التصدي لسياسات ظالمة وقاسية بحق الجماهير العربية..
إن نجاح إضراب يوم الأرض هو نجاح للمنتمين لمصالح جماهيرهم ومصالح شعبهم.. للمنتمين لإرادة الحياة والكرامة الوطنية. النجاح ليس نجاحًا للمهندسين "الشيوعيين وحلفائهم".. انه نجاح للشعب عامة.
من هنا علينا بتعميق ثقافة الانتماء للأرض والجماهير..ثقافة الانتماء الوطني الكريم..ثقافة التصدي والتحالف لتحقيق الأهداف..هذه الثقافة التي يحتاجها شبابنا الآن ليستطيع مواصلة ردع السلطة الغاشمة على المس بحقوقه اليومية والقومية.
*استعادة ودروس*
"يوم الأرض" ليس يوما عاديا.. وليس يوما للنزهات والراحة.. انه يوم كفاحي بمضونه، تربوي بأهدافه الوطنية وحدوي بدروسه، والاهم انه يوم له قدسيته الإنسانية في رفع الارتباط بين الأرض والإنسان والكرامة والوجود والبقاء إلى قيم عليا، يجب ان لا تغيب عن أي حركة أو حزب أو مؤسسة أو عن أي عائلة عربية في بلادنا.. في وطننا، الذي لا وطن لنا سواه.
هذه بعض من الدروس المهمة التي يجب ان لا تغيب عن بالنا...وعلينا نقلها للأجيال..كتبت عن جزء منها التزاما بالرسالة التي احملها في ضميري.
الـ 30 من آذار – يوم الأرض يوم مقدس... نعم له في وجداني نوستالغيا.. وله في عقلي دروس.
ولأني كنت مشاركًا عام 1976 في صناعة يوم الأرض من موقعي كطالب ثانوي، وعضو شبيبة شيوعية وعضو لجنة الطلاب الثانويين، واذكر تفاصيل المظاهرة والأحداث في ذلك اليوم المجيد.. ولأني أريد الرخاء والكرامة لبلدي وشعبي.. سأشارك في فعاليات يوم الأرض بعد 40 عامًا على الإضراب الشهير استذكر الشهداء داعيا لهم بالرحمة.. وبهذا فاني أدعو الجميع للمشاركة في نشاطات الذكرى الـ 40 ليوم الأرض الخالد في قراهم ومدنهم أو في الفعاليات المركزية في الجليل والمثلث والنقب.
(أم الفحم)
