لبيد. التفاحة لم تقع بعيدًا عن شجرتها
حدَّثني المرحوم والدي، عن حكاية من الأيام السالفة.. حكاية عن أيام الأفندية والباكوات كيف كانوا يسهرون ويقضون أوقات فراغهم وكيف ان الفقراء الآخرين من أطراف المجتمع اهتموا دائما بان يقوموا بدور المهرِّج والساخر لكي تبلغ سهراتهم ودواوينهم منتهى البهجة والانبساط ففي قريتنا كانت طبقة من هؤلاء.. تحدثت عنهم كل القرية.. عن غناهم المادي، وعن المراكز الاجتماعية التي شغلوها في حينه!! أو كما قال احدهم فقد لبسوا البدلات الرسمية يوم كان الناس عراة وأكلوا أطباق المحاشي والمناسف والناس جياع!! وانقلبت الأيام ولن تعود وأسأل الله ألا تعود على الإطلاق!!
لعب هؤلاء الأفندية كما أسلفنا لعبة "الطاولة"!! وكانت تلك لعبة نادرة الا عليهم وعلى أمثالهم!! وبما ان نتيجة كل لعبة إما غالب وإما مغلوب!! ومن المتوقع ان يستشيط الغالب بغروره فيتهكم على المغلوب بالكلام حينًا وبالحركات الساخرة أحيانًا أخرى أو يذهب بعيدًا فيسترخص قدرات المغلوب العقلية، والمهم ان يعمل أي شيء يزيد من هرج الديوان والضحك فيه على المغلوب وعلى حظه التعيس في تلك اللعبة وبعدها ينصرف الديوان كل إلى بيته ليعودوا إليه في اليوم التالي وهكذا دواليك.. السهرة والديوان والمزاح والضحك كل ذلك كان يقوده واحد متّعه الله بموهبة خاصة بالإبداع ووهبه الخالق لسانا حادًا سلّطه دائمًا على المغلوب وكان في ذلك رائدًا رغب في نشاطه الغالبون وامتعض منه المغلوبون!!
وقد اشتهر في قريتنا شيخ بهذه الصفات الخاصة!! فكان ذا موهبة متوقدة وطلاقة لسان نادرتين ولكن أكثر ما اشتهر به بأنه كان يتقن "الزّند" وهي حركة يدوية لاذعة، لا يرغب أي واحد ان توجّه إليه.
ذلك الشيخ تمتع بخفة ظل منفردة وموهبة فرضت نفسها على ديوان الأفندي المذكور وأصبح لا ينعقد ديوان اللعب عند الأفندي الا بحضوره.. فدور الشيخ معروف بان "يزند" للمغلوب ويضحك الحاضرين عليه في الديوان.. ومع استمرار العملية تناقل الناس الخبر بمشاعر مختلفة وكان ان احد الأقرباء من الشيخ لم يعجبه الأمر.. فأتى باللائمة على الشيخ الموقر ومن جملة ما طلبه منه بان يمتنع عن حضور ديوان الأفندي فورًا وان يتوقف عن دوره في جعل نفسه مهرِّجًا وساخرًا ليضحك الناس في ديوان الأفندي وقد يكون فيهم من "يسوى ومن لا يسوى"!!
اقتنع الشيخ برأي قريبه وقرر في نفسه ان لا يحضر بعد اليوم ديوان الأفندي حفاظًا على مركزه وشيخوخته التي أكن لها المجتمع كل تقدير..
مرت الأيام وديوان الأفندي ينعقد دائمًا ولكن ليس بحضور الشيخ المذكور واحتار الحاضرون من ذا الذي سيقوم بدور الشيخ "ببهدلة" المغلوب أو بالزّند له!! واستفسر الأفندي بنفسه عند الشيخ عن أسباب مقاطعته للديوان.. فما كان من الشيخ الا ان أجاب الأفندي (وكان يحبه جدًّا) بأنه قرر من اليوم فصاعدًا ان ينتدب ابنه.. ليحضر مكانه في الديوان وكما أشار الشيخ في كلامه فان ابنه يتقن عملية الزّند ربما أكثر من والده..
فسأل الأفندي الشيخ.. كيف يكون ذلك؟ فأجاب الشيخ ان كنت أنا زنّادًا فولدي زنّاد ابن زنّاد.. فضحك الأفندي كثيرًا وقبل الابن لفترة تجريب وبعدها يتقرر مصيره.
وردت هذه القصة ببالي عندما طلع علينا زعيم إسرائيل الجديد يئير لبيد بتصريحاته العنصرية ورفض ان يشارك في كتلة برلمانية مانعة، وعلل ذلك بقوله أنا لن أشكل كتلة مانعة "مع حنين زعبيين"!!
قالها بكل وقاحة وعنصرية ذكّرتني بوالده المرحوم طومي لبيد الذي انتهج نفس الأسلوب العنصري تجاه العرب والشرقيين. وآل في النهاية إلى ان يفقد حزبه ويختفي هو وحزبه عن مسرح السياسة الإسرائيلية.
فالولد سر أبيه والتفاحة لم تقع بعيدًا عن شجرتها. وكما قال شيخنا الفاضل فإذا اعتبرنا بان طومي لبيد زنّاد فابنه يئير زنّاد ابن زنّاد وفي الحالتين المصير معروف وهو الانقراض والفشل.
(دير الأسد)
