اتفاقية أوسلو والحق الفلسطيني

single

الاستيطان – احدى كبريات الكوارث!


          

 *  يجب التمسّك بالثوابت الأساسية  لمواقفنا المبدئية العقلانية، وعدم الانجرار وراء المزايدات، والانجراف خلف العواطف، التي لا تقود إلا إلى المزيد من التشرّد والشرذمة.* لقد وصلنا إلى نقطة لا تحتمل أن نعطي سلاحا جديدا للحركة الصهيونية المتطرّفة، وللرجعية العربية المتآمرة على مصير شعوبها، بعد مرور هذا الزمن وتراكم التجارب التي مرّ بها هذا الشعب*

 //   

   علينا أن نعرف أن اتفاقيات أوسلو لم تكن هدفا، ولم تكن مبتغًى، ولكنّها خطوة على طريق الآلام الطويل الذي عاناه الشعب الفلسطيني، ولم نعوّل يوما على أوسلو واتفاقياته، بقدر ما توخّينا نضجا ونزاهة، عند القيادة الفلسطينية التي عانت ما عاناه شعبها في التشرّد، ورأينا الثمرة التي جاءت بها اتفاقيات أوسلو، وصفّقنا لدولة فلسطين وعاصمتها القدس، التي من المفروض أن تتلو الخطوة التي أدت الى قيام دولة فلسطين في غزّة وأريحا أولا، وأن تواصل السلطة الوطنية الفلسطينية معركتها السياسية، على الصعيدين، المحلّي والعالمي. هذا الطريق الذي من المفروض أن يقود إلى وقف مرحلة قاسية وطويلة، من آلام وتشرّد، ووقف نزيف المعاناة المريرة التي عاناها، ويسير خطوة على طريق الأمل.
قبل أن نحكم على الأمر، والواقع الموجود، علينا أن ندقّق في فحص الأمور، وندرس القضية من كلّ جوانبها، ونسبر غور الحقائق، حتّى لو كانت قاسيّة ومؤلمة، ويجب أن نعالج الأمر بموضوعية، وحياديّة، بعيدين عن كل تعصّب، أو التأثر بشعارات تدغدغ العواطف وترضي المشاعر، لتفادي تكرار المأساة، وتفادي تكرار الوقوع في الأخطاء. حتّى لو تطلّب الأمر منّا، النقد، وليس جلد النفس (كما يحلو للبعض تسميته لكي يتجنّبوا الاعتراف بالخطأ، وكأنّ الاعتراف بالخطأ، نقص وعيب). إن النقد والأهم هو النقد الذاتي الذي من المفروض أن يوصلنا إلى توخِّي الحقيقة، التي بدورها توصلنا إلى ما كان من المفروض أن نصل إليه.

 

  • ماهيّة اتفاقيات أوسلو

تمّ التوقيع على اتفاقيات أوسلو سنة 1993، التي هي استمرار لمباحثات مدريد عام 1991، وفيها تمّ الاتفاق على مرحلة انتقالية، في غضون شهرين، وتنتقل السلطة سلميا،  لحكومة فلسطينية انتقالية، يتم تشكيلها من فلسطينيي الداخل (الضفة الغربية وقطاع غزّة) والخارج (أي عودة القيادات التي تعيش خارج فلسطين).  تكون مهمتها، حفظ الأمن الداخلي، وتعمل خلال خمس سنوات  على استكمال المباحثات للوصول إلى الحل الدائم، وفقا لقرارات مجلس الأمن،242، 338، وقضية القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات مع الجيران.

 

  • لماذا تمّت الموافقة على اتفاقيات أوسلو؟

1ـ  كانت ظروف الشعب الفلسطيني عشية اتفاق أوسلو  قاسية، فهو مطارد في كل مكان من بقاع الأرض، حتى أن الدول الشقيقة والحاضنة لهم في شتاتهم، بدأت تبدي امتعاضها من استضافتهم وتضغط في اتجاه قبول أي حل ممكن، ولم يعد لمنظمة التحرير مكان آمن تقود منه نضالها.
2ـ انهيار المنظومة الاشتراكية، وخاصة الاتحاد السوفييتي، الذي كان ظهرا وسندا للشعب الفلسطيني وداعما لنضاله. فأرادت أمريكا أن تلعب دور القادر على كل شيء، وكان هدفها الأول، إنقاذ حكومات إسرائيل التي بدأت تئن تحت وطأة ضربات أطفال الحجارة في ثورتهم الفريدة من نوعها في عصرنا.
3ـ رضوخ إسرائيل وقبولها التفاوض مع منظمة التحرير، في الوقت الذي كانت تحاكم كل من تجرّأ على الاعتراف بها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، وكل من التقى  فردا من المنظمة في الخارج، (وكان حزبنا على رأس المتضررين)، فكم بالحري لقاء حكام إسرائيل مع قيادة المنظمة، وفي مقدمتهم ياسر عرفات.
نستطيع القول، ان حال الشعب الفلسطيني، قبل أوسلو كما كان حاله أيام نكبة عام 48، اما أن يقبل التقسيم  الظالم والمجحف، ويحافظ على جزء من وطنه، أو أن يختار حربا لم يكن مهيأ لها، محتميا بالقيادة العربية الموحدة، بقيادة الملك عبدالله الأول ملك الأردن (حاميها حراميها). وتكون النتيجة، نكبة عارمة، دمارًا وخرابًا وتشريدًا. كذلك عشيّة أوسلو، اما أن يقبل الفلسطينيون بموطئ قدم، ونقطة انطلاق، لتحقيق الحلم، أو التشرد والمطاردة، حتّى من أشقائه العرب.
انّ الحديث اليوم عن أوسلو وقبول اتفاقياته، كأنّه خيانة،هو حديث لا جذور له، وتجنٍّ، لا بل جريمة ترتكب بحق القيادة التي وافقت على تلك الاتفاقية. ففي الوقت نفسه يجب أن نرى في ذلك اعترافا إسرائيليا بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة إلى جانب إسرائيل، هذا الحق الذي دفع شعبنا ثمنه غاليا وكذلك نحن الشيوعيين تكبّدنا الكثير من المصاعب والاتهامات، بسبب هذا الشعار الذي أصبح الحل المقبول اليوم والمطروح على كل الأجندة الحزبية والدولية، فقبول إسرائيل هذا الحل هو هزيمة لسياسة الحركة الصهيونية، الّتي اضطرّت إلى التخلّي عن موقفها التاريخي المتشدّد، وهي تئن تحت وطأة، وقوّة، وجبروت "ثورة الحجارة"، ثورة الأطفال والنساء، التي كان سلاحها الحجر، الذي هزم المدفع والدبّابة، حيث وقف الجندي الإسرائيلي المدجّج، عاجزا أمام طفل يحمل حجرا.

 

  • العيب ليس في الاتفاقيات

كان على السلطة الفلسطينية أن تعمل بكل قواها، وكل مركباتها بالتعاون مع القاعدة الشعبية العريضة، صاحبة هذا الانجاز وهذا الحق، لبناء دولة مستقلة في غزة وأريحا لتكون نموذجا لدولة ديمقراطية، دولة عمل ورخاء،  تستفيد من الدعم الخارجي، المقدم لها بسخاء، وبفرح واعتزاز، لشعب اثبت أنّه يستحق الحياة، كان من المفروض، حفظ كرامة العامل الفلسطيني، بإيجاد أماكن عمل محلية، مثل مشاغل ومشاريع عمرانية وغيرها، بالتعاون محليا وعربيا وعالميا، حيث كانت الرغبة الدولية موجودة برحابة صدر. بدل أن يترك العامل الفلسطيني تحت رحمة المشغّل الإسرائيلي، وفريسة سهلة للاضطهاد والاهانة على المعابر يوميا. انّ العيب ليس في اتفاقية أوسلو، وإنما في من كان عليهم الاستمرار في الحفاظ على المكاسب، وتوسيع رقعتها، وبدل أن تتركّز الجهود مجتمعة، في التطور والتقدم، راحت تنحرف إلى صراعات داخلية، من هو الأمين على الثوابت أكثر، "ولم يذكروا هذه الثوابت"، لأن كل فئة تراها على هواها. امتلأت خطب محمود الزهار "القيادي في حماس" هجوما على أوسلو وتوابعه، ومن ثم إسماعيل هنيّة، رئيس حكومة غزة، هجوما على قرار دولتين لشعبين، وعندما تمكّن من السلطة، راح يغازل إسرائيل في إمكانية القبول بحدود سنة 1967، أما مُشعل الفتنة، خالد مِشعل الذي يرى في المقاومة هي الهدف، حتى أصبحت كلمة المقاومة أو ضمان حق المقاومة شعارا طغى عند حماس على شعار دولة فلسطينية،وبدل المناداة بإقامة الدولة الفلسطينية أصبح شعارهم "المقاومة، وضمان حق المقاومة" فاتسعت شقة الخلاف، مما ترك للفساد والفاسدين فرصة اغتنموها. لم تجد القوى الوطنية التي رأت في هذا الوضع خطرا على مصالح الشعب فرصتها في تصحيح المسار، وطرح البديل الحقيقي، وبدل الجرأة في الدراسة والتحليل، اختبأوا وراء شعار رأب الصدع، فأضاعوا الدولة بين دعم فتح ضد حماس،أو دعم حماس ضد فتح، فكان من المفروض طرح البديل المخلص المتفاني في خدمة الشعب وقضاياه، بدل أن يهرب الناخب من نار فتح إلى أتون حماس. وبهذا أصبح المستفيد الوحيد من هذا الوضع هو الاحتلال والاستيطان. فالواجب اليوم رأب الصدع الفلسطيني، واختيار قيادة حكيمة، تخلّص الشعب الفلسطيني من المطب الذي انزلق إليه، والنهوض به إلى الطريق القويم طريق الدولة المتقدمة المتطورة لصالح أبنائها وليس مستغلّيها.

 

(يافة الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لعبة إسرائيلية قذرة

featured

أنت إرهابي اذا كنت خارج سرب السياسة الامريكية

featured

شفيق الحوت: بيـت لبـنان وفلسـطيـن معـاً

featured

قانون التنظيم والبناء من أروقة المحاكم للأحكام الإدارية البالية

featured

كلمة وفاء بحق القائد الراحل جمال طربية

featured

أصيلا كنت في وطنيتك وحياتك العائلية يا صبحي الفحماوي (ابو الحسن)

featured

السلطة والمال جذر الفساد