يدفع الإنسان في أيامنا من صحّته ومن راحته ومن ماله ثمن التكنولوجيا أو ثمن الحضارة العصريّة ف "لا وجبات بدون ثمن" كما يقول الأجانب، و "لا شي بلاش إلا العمى والطراش" كما تقول حكمتنا الشعبية، فالعقل البشريّ الذي اخترع القطار والسيارّة والطائرة والأجهزة الكهربائيّة والهاتف والجوّال والانترنت والبريد الإلكترونيّ وغير ذلك فكّر واجتهد وعمل وابتكر من أجل سعادة الإنسان وراحته وربما لم يخطر على باله ما ينتج من ذلك من ضرر للبشريّة مثل تلوّث الجوّ واتساع ثقب الأوزون وذوبان الجليد والإشعاعات المسرطنة وغيرها مما قد يعني بأنّ نفع هذه الإختراعات الحضاريّة يعادل ضررها وقد يكون الضرر يفوق النفع إذا ما أخذنا بالحسبان صحّة الإنسان التي لا ثمن ولا بديل لها.
قال الشاعر المهجريّ إلياس فرحات:
إنّ ابن آدم لا يعطيك نعجته إلا ليأخذ منك الثور والجملا
وحينما حاولتُ إحصاء خسائر الإنسان من التكنولوجيا وجدتُ أنّ هناك أمرا قد خسرته الإنسانيّة ولا بديل عنه. وهذه الخسارة أدبيّة وفنيّة وروحيّة وإنسانيّة وأعني بذلك رسائل الحب التي كان العشّاق من جميع الجنسيات والألوان وفي شتّى البلدان وفي شتّى اللغات يتبادلونها سرّا من وراء عيون الأهل والمجتمع.
قضى الإيميل والانترنت والهاتف الجوّال على رسائل الحبّ المعطّرة التي كان يكتبها العشاق من الجنسين، بالحبر وبالدمع وبالدمّ، على أوراق زرقاء جميلة أثرت الأدب العالميّ بنصوص رائعة وتركت للبشرية قصص حبّ خالدة.
عرف الأدب العربيّ الحديث رسائل غرامية عديدة تبادلها أدباء مع أديبات وشعراء مع شواعر مثل رسائل المبدع الكبير جبران خليل جبران والكاتبة مي زيادة التي أشغلت الباحثين فكتبوا عنها دراسات عديدة في اللغتين العربيّة والإنجليزيّة، وعرف أدبنا أيضا الرسائل التي تبادلها الناقد والأديب المصريّ أنور المعداويّ مع الشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان والتي كشفها ونشرها الكاتب المصريّ رجاء النقاش، كما أصدرت، قبل سنوات الكاتبة السوريّة الجريئة غادة السمّان رسائل الحبّ التي تبادلتها مع الكاتب المناضل الشهيد غسّان كنفاني فأثارت جدلاً واسعاً.
ولعلّ أشهر رسائل الحبّ في الأدب الغربيّ تلك الرسائل التي تبادلها الشاعر الإنجليزيّ روبرت برواننغ (1812-1889) والشاعرة الإنجليزيّة اليزابيث باريت ( 1806- 1861) وقد أشغلت قصّة حبّهما الانجليز والأوروبيين في العصر الفكتوريّ (القرن التاسع عشر) وقد نُشرت رسائل العاشقيّن التي تبادلاها في خلال عشرين شهراً وعددها 573 رسالة بعد رحيل الشاعرين. وجاء في الرسالة الأخيرة التي أرسلها روبرت إلى اليزابيث " يتحتم علينا أن نتزوج فوراً ونسافر إلى إيطاليا " .
وتزوجا وسافرا إلى باريس ثمّ إلى بيزا ثمّ إلى فلورنسا. ومن الطبيعيّ أن تتوقف الرسائل بعد الزواج مثلما توقفت واختفت رسائل الحبّ في زماننا بعد ظهور الإيميل والأسمسة.
رحمك الله يا مرسال المراسيل.
