من ذكرياتي يوم كنتُ طالبًا في الثانوية أنقل لقراء صباحيتي هذه بعض أحداث حدثت يوم كنتُ من المراهقين... المراهقون كما نعلم لهم طابعهم وطباعهم..
في أحلام يقظتهم يعيشون كوابيس النهار وهذه حالة نفسية يعيشونها دونَ سواهم... إنها تلك الحالة التي بمنطق خبراء علم النفس تتموضع في منطقة الانجذاب للجنس الآخر.
كان معلمونا نخبة من المدرسين العالمين العارفين. لم يحملوا ألقابًا جامعية بل تدفقت في أذهانهم وشرايينهم معلوماتٌ جمعوها بعصاميتهم ومثابرتهم من أمهات الكتب وتوثيقات المؤرخين وروائع أعمال المبدعين. من مَعين هؤلاء شربنا مياه المعرفة وحب الوطن. في تلك الأيام لم تتوفر لدينا مراجع الكتب بل جاءتنا المعرفة معلومات سامقة "مكتوبة" بخط أقلام المعلمين وعلى صدور صفحات دفاترهم.
في هذا السياق تتجلى أمامي صورة بهية لاستاذ موسوعي اسمه غطاس يوسف غطاس، تعلمنا على يديه التاريخ والجغرافية والكرامة الوطنية. كان من عادته طيّب الله ثراه أن يُزود أحدنا بدفتر يحتضن معلومات قيمة أعدها بنفسه وسجلها بقلمه وخطه الواضح الانيق ثمرات اجتهاد وسياحة بين الكتب. كنا نجتمع في يوم العطلة الاسبوعية في غرفة صفنا ليُملي علينا أحد الأتراب معلومات جغرافية وتاريخية من دفتر الاستاذ. وجاء ذاك اليوم المشهود حيث أملى علينا الطالب المكلف الدرس الجديد وكان العنوان: "فتاة بنما"... عندما سمعنا هذا العنوان كمراهقين تطاير من عيوننا شرارُ الوصال فالحديث حينها سيكون عن صبية من دولة بنما. عندها بدأ كلُّ واحدٍ منّا وباحلام يقظته يتمايل بحركاته ليعانق تلك الفتاة البنمية. عندما أكمل زميلنا إملاء الموضوع تبين لنا أن العنوان كان قناة بنما وليس فتاة بنما التي استحضرها تفكيرنا الرغبي كمراهقين.
بعد تحويلنا (القناة) الى (فتاة) أدخلوا لنظام المدرسة نظام اللباس الموحد وهنا هبَّ المراهقون في مدرستنا مقاومين هذا النظام الجديد، لكننا قبلناه صاغرين لاحقا رغم همسات تبادلناها فيما بيننا أن نظامًا كهذا يُشكل ضربة وصدمة للمراهقين الذكور حيث ستغيب عنهم اغراءات أزياء بنات المدرسة وجيران المدرسة.