* يوسف فرح *
ألأول من أيار في الناصرة، أنت لا تسمح لنفسك بالتخلّف عن هذه المسيرة التقليدية. خير ما في هذه النشاطات - تقول لنفسك - ان ترى الناس وان يراك الناس. التواصل، كما باتت اللفظة تُنتهك حتى أُنهكت! تغادر قرع الطبول والهتافات التي اصبح من الواجب تغيير بعضها. فنحن لسنا "حزب ابو الأمين" رغم حبنا له وتعلقنا بذكراه، ولا حتى لينين. نحن الحزب الشيوعي وحسب، تسرح بخيالك. تعود الى صور اليوم السابق في الصحف وعلى شاشات التلفزة، والى ما أهرق من حبر عن تلك الزيارة وأهميتها وتاريخيتها. كتبوا بغزارة غير معهودة. سيل من المقالات والتعليقات والصور. فهل كان ذلك السيل من الكلام نوعا من إقناع الذات؟ وهل كثرة الكلام عن خطوة ما، يجعل الخطوة صحيحة وصائبة؟ وإلا فما الداعي لاستنفار الأرشيف والاستعانة بعلاقة "الأخ العقيد" بالرئيس الفنزويلي الذي جاءته خيمة ليبية هدية؟ هل يضفي ذلك أدنى مصداقية على زيارة ليبيا؟
تواصل رحلة الخيال. تتداخل الصور. هنا غابة من الأعلام الحمراء المتوهجة كالدم. "غريب" ان لا يظهر بينها علم ليبي!! في مسيرة النكبة الى قرية مسكة، ارتفعت بعض الاعلام التركية. هنا اذن، هذه الجماهير، هي البوصلة الشعبية التي لا تخطئ ولا يمكن مغالطتها. وهناك صور المتدافعين للحظوة بصورة الى جانب الزعيم. حصل الجميع عليها لكن على دفعات. فمن مصائب الخلق الرباني ان للزعيم جَنْبين فقط! وهؤلاء اليابانيون - اخوات الشلن - لم ينجحوا بعد، في اختراع عدسة تضع العشرات في نفس الموقع المرغوب، من غير ان يضطر البعض الى القرفصة او الانبطاح.
هنا جماهير، اولها وصل بيت الصداقة، وآخرها ما زال "يتمهمز" في ساحة الكراجات. نهر متدفق متلاطم الأمواج. وهناك وحدة مهلهلة لقادة يتدفقون على سقيفة "ملك الملوك"، لمبايعته وخلع عباءة المخترة على كتفيه، أما كان الأجدر، خلعها على المختار القادم، قذاف الدم او سيف الاسلام؟! ام اننا تجنبنا ان "نفاول" على الزعيم؟!
هنا أطفال محمولون على أعناق آبائهم الشبان، وهناك، هدية باسم الجماهير العربية تقدم لملك ملوك افريقيا. لم تكن ثمة صعوبة في اختيار الهدية التي تليق بالزعيم فعلاً. لم يحملوا له صورة "المعاناة والاضطهاد والعسف" التي "نصطلي" بنارها هنا، ولا صور مئات القرى المهدّمة المهجّرة، ولا صور شهداء شعبنا وأسماءهم وعناوين عائلاتهم، بل قدموا للقذافي صورة القذافي!
تعود من رحلتك الخيالية هذه، على "لكزة" من السائر الى جانبك! "هذا هو التواصل الحقيقي يا رفيق". يقول:
والتواصل غير التطبيع. ولهذا يصرّ العائدون من ليبيا على مصطلح "التواصل"، الذي انضوت الزيارة تحت لوائه. هنا اهمية الاكتشاف الذي ليس بوسع احد منافستنا فيه. الفرق بين المصطلحين، فرق دقيق جدًا، فكيف تمكنوا من اكتشافه؟ وتتساءل: التواصل مع من؟ بعد ان أقدم العقيد على طرد البقية الباقية من الفلسطينيين، من فردوس جماهيريته الشعبية، وبطريقة جعلتهم يحنّون الى معاملة الاسرائيليين، فأولئك غرباء على الأقل!
وثمة شيء آخر غير التواصل (المسجل براءة اختراع باسمنا!)، يدخل في مركبات دواعي الرحلة العربية التاريخية الى ليبيا. فالاخوة، شاعرين ربما، ببعض الحرج من التواصل مع هذا النوع من الدكتاتوريات، عمدوا الى التأكيد على أن الزيارة كانت بصفة العقيد رئيسًا للقمة العربية!!!
(جملة اعتراضية: لقد بات من الضروري حذف بعض المفردات من أدبياتنا، فاياكم من الآن فصاعدًا ان "تجيبوا" سيرة الرجعية على ألسنتكم!!).
"القدس عروس عروبتكم:
اهلاً اهلاً اهلاً اهلاً اهلاً" (مظفر النواب)
و أهلاً اهلاً اهلاً، قمة عربية!!
أما تجاوزنا هذه المسألة على وفاق، من زمان؟
أما كنا أجمعْنا على تقييم هذه القمة بما يناسبها؟
ألبعض اطلق عليها "الخمة العربية"، وبعض آخر وصفها بالحضيض، وبعض قالت بأنها "... على بلاط"!
وألم نعتبر اكثرية المشاركين فيها عملاء لأمريكا وبالتالي لاسرائيل؟ ألم تؤكد الوقائع، ان عقلاً امريكيا هو الذي يكتب قرارات القمم العربية؟ كيف تكون "قمة عربية"، حين يرقص الرئيس الأمريكي بسيف عربي على أطلال غزة وجماجم أبنائها؟ كيف تكون "قمة عربية" وهي تتم بالتنسيق مع اجهزة المخابرات الأمريكية؟
وفي إطار هذه التطورات، لم يعد لنا الحق في التبرم والشكوى من الزمن. فكيف يكون "الزمن رديئًا"، وقد تحققت وحدة جميع أحزابنا وحركاتنا السياسية، العلمانية منها والدينية، المعتدلة والمتطرفة، المتسامحة والمتزمتة. المعترفة بالكيان الصهيوني، وغير المعترفة بهذا الكيان!! لقد اتفقوا على الرحلة وعلى تعرية ما نتعرض له من عنت تحت الحكم الصهيوني! مع أن أحدًا من أعضاء الوفد، لم يبادر الى تجربة العيش في كنف العدالة الليبية، مؤقتًا على الأقل! لقد أطلعتم سيادة العقيد على أوضاعنا فماذا بعد؟
واتفقوا على تبادل الهدايا. أهدوا العقيد صورة العقيد، فماذا أهداهم؟
لم يهدهم نوقًا يتلذذون بشرب حليبها، ولم يهدهم ساعات ذهبية، ولم يهدهم خيامًا (ربما لعدم وجود أرض تنصب عليها الخيام) ولا أموالاً لدعم صمودنا ونشاطاتنا الرياضية والثقافية والفكرية. أهداهم أفضل من ذلك كله! أشرطة مسجلة عليها "درر" العقيد الخطابية، التي لها تأثير السحر على الأزواج في قمة عشقهم، كما أكد المضيفون.
وحين حطَّ الطائر الميمون في مطار بن غوريون (مطار غزة او مطار شعفاط في انتظار مساعي القمم العربية!) معيدًا وفد الوحدة، تبخرت تلك الوحدة، تمامًا كما كان مكتوبًا على غلافها: "تنتهي صلاحيتها بتاريخ 27 نيسان سنة 2010"!
وإلا، فلماذا لم يشارك أحد من أعضاء الوفد في مسيرة ايار العمالية؟ أليست الناصرة أقرب من سرت وطرابلس وبنغازي؟ وأليست قضية العمال ابعد عن المنزلقات؟!
وكنا حسبناها لهم... تواصلاً...
* تنقير
ثبت بالدليل القاطع ان وفد الجماهير العربية لم يقابل العقيد القذافي، بل قابل نسخته، مثيله. (مقتبس عن قيادي جبهوي).
