سطور في ما بين السطور

single

// كلام صورة

"المرأة العربية أصبحت أكثر وعيًا وقدرة على المقاومة والانتصار".
وجدتُ نفسي، دون اكتراث خاص للتداعيات، أذيّل صورةً بهذا الكلام. لم يكن الخبر سياسيًا، لم يتحدّث عن أم الشهيد أو أخت الأسير أو رفيقة المناضل، بل عن يوم دراسي توعوي عُقد في الناصرة حول مرض سرطان الثدي.
كثيرًا ما استعيرت المرأة وجسدها رمزًا للأرض والوطن واستُثمرت أمومتها في حسابات السياسة وعلاقات الإنتاج، وكثيرًا ما استعيض عن العجز السياسي بالفحولة الجنسية (نزار قباني) وعن الهزيمة في معركة الأرض بالنصر في معركة العرض (كما حدث للباقين بعد النكبة). وحين تكون المرأة هي "الآخر" الأجنبي تصير أنوثتها محط انتقام وساديّة مرتدّة كما أسهب مصطفى سعيد في مواسم هجرته إلى الشمال، وهي مسألة انشغل بها باحثون كثر لعلّ أبرزهم الناقد والمترجم السوري جورج طرابيشي.
يتوارث الرفاق في منطقة عكا، بين الدعابة والجد، مقولة أنه "بالكفاح بالنكاح نحميك يا جليل" التي كان أطلقها أحد الرفاق ردًا على مخطط تهويد الجليل آنذاك، وفي مواجهة الديموغرافوبيا الإسرائيلية التي تعيد إنتاج نفسها بوتيرة أسرع من أنفلونزا الطيور والخنازير والقردة. وأكثر مما يشفع السجع لتلك المقولة، أو خفة دم صاحبها وجرأة ناقلها، يشفع لها تقديم الكفاح على النكاح. وإن كان الخلاف على الأولويات في هذه الحالة العينية لا يفسد للود قضية طالما تلازم الأمران معنًى وممارسة.
وروى لي أحد الرفاق القدامى من منطقة الناصرة أنه وبعد سماعه عن مخطط تهويد الجليل، عشية يوم الأرض، عاد إلى داره وأقنع زوجته "بصناعة" طفل. وحصل ما حصل وجاءت ثمرة كفاحهما المشترك طفلا أسمياه "جليل"، شبّ في ساحات النضال. ويُحسب لرفيقنا المخضرم أنه طبّق، حرفيًا، قول شاعرنا توفيق زيّاد:

هـنا بـاقـون نـصنـعُ الأطـفـال
جــيـلاً ثـــائرًا وراء جــيـل

ونجد تعبيرًا جميلا ذا صلة آخر، غير مألوف ربما، لدى الكاتب سالم جبران الذي قال عنه الشاعر محمود درويش إنه "كان أشعرنا":

كـمـا تحـبُّ الأمُّ طـفـلـَها الـمـشـوَّه
أحـبـُّهـا حـبـيـبـتـي بـــــلادي

والمفاجئ هو قلب الأدوار في ثنائية الوطن-المرأة التقليدية، فالوطن هنا بمثابة الطفل المشوّه، والشاعر هو الأم/ المرأة المحبة المعطاءة. لكن هذا يبقى انقلابًا في اتجاه الاستعارة أو الرمز، لا عليهما.
وليس لنا طبعًا، من علياء ما بعد حداثتنا الرخوة، أن نحكم بمعايير اليوم على ما كُتب وقيل آنذاك. لكن لنا أن نمعن النظر فيه لنجعل هذه الثنائية ثنائية الاتجاه، ولنا أن نبقي الباب مفتوحًا على إمكانية الانقلاب على الرمز برمّته. ولنا أيضًا، حاليًا على الأقل، أن نثمّن مقاومة كل ما هو خبيث، خاصة حين يسوَّل له التفشي والاقتطاع من الحياة والجمال.


// وبقينا مزكومين؟


في غمار زوبعة أنفلونزا الخنازير تذكّرت أنني سمعت ذات مرّة أنّ أصل كلمة "أنفلونزا" عربي، وأنّ اللفظ المتداول اليوم هو تحريف أوروبي لكلمتيّ "أنف العنزة"، نسبةً للاحمرار الذي يرافق الزكام.
وبعد تنقيب ممتع في الإنترنت توصلت إلى المعلومات التالية:
أولاً – هناك من يقول بأنّ الأصل العربي للاسم ليس من "أنف العنزة" وإنما "أنف الوزة" التي صارت تُلفظ "أنفلونزا" وانتشرت في أوروبا عن طريق الأندلس، وما يرجّح "احتمال الوزة" هذا هو وجود نوع من الأنفلونزا يصيب الطيور تحديدًا، ولكن البرّية منها تتغلب عليه فيما تقضي المدجّنة (الوز والحبش والبط والدجاج) إذا أصابها. لكن ما يضعفها هو أنّ العرب نسبت المرض للإوز لأنّ الماء يسيل من أنفها لكثرة ما تعوم فيه، أي أنه لم يكن زكامًا ولكن شبِّـه لهم.
ثانيًا – يزعم الروم من جهتهم أن أصل الكلمة إيطالي، من "إنفلوانسيا" (وتعني غضب السماء أو التأثير السماوي) المستمد من اللاتينية "إنفلوانتيا". والله أعلم!
ثالثًا – يقول المستشرق ويل ديورانت في المجلد الأول من موسوعة "قصة الحضارة" إنّ "الزكام كان يعالـَج (في مصر) بعبارات سحرية مثل: أخرج أيها البرد يا ابن البرد يا من تهشم العظام وتتلف الجمجمة وتمرض مخارج الرأس السبعة أخرج على الأرض دفر دفر دفر"!
ويضيف: "وأكبر الظن أن هذا علاج لا يقل في مفعوله عن أي علاج نعرفه اليوم لهذا المرض". وقد كتب ديورانت هذا الكلام في ثلاثينات القرن الماضي، أي بعد نحو عقدين من مصرع حوالي 50 مليون إنسان في غضون 18 شهرًا بسبب ما سميّ بالأنفلونزا الأسبانية.
يقال إننا العرب "اخترعنا الصفر وبقينا أصفارًا"، فهل من الوارد أن نكون قد اخترعنا أنف العنزة أو الوزة، وصدّرناه إلى أوروبا، وبقينا مزكومين بأوبئة أخرى لا تقل فتكًا؟


// سؤال في المنطق

هل قرأتم مرّة عن قصيدة ما ألقيت في مناسبة ما، لم تلق "استحسان الجمهور"؟

 

 


الصورة: ألا يمكن لثنائية الوطن-المرأة أن تكون ثنائية الاتجاه؟ (لوحة "أحلام الغد" للفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شمّوط)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وِضْحِت وشبّرَت كمان!

featured

سندوتشات سريعة عبر قطار التواصل الاجتماعي (5)

featured

رشوة المليون

featured

فخ المبادرة الفرنسية الفاشلة

featured

استمرار نتن ياهو في الحكم بمثابة عبوة ناسفة!

featured

ابا عادل! سلام

featured

لا أمن بدون عدل