رشوة المليون

single

لست من السذاجة لدرجة تجعلني أصدّق أن تزامن توقيع عقد الدعم ، الذي أُبرمَ أمس بين شركة سلكوم واتحاد أبناء سخنين، يأتي عفو خاطر الجانبين، وأنه ليس جزءاً من حملة علاقات عامة واسعة النطاق ومحاولة لتلميع اسم الشركة من جديد بعد إعلانها العنصري الذي أثار وما يزال يثير أصداء غضب(وتقزّز) واسعة في أوساط المجتمع العربي، خصوصاً، وبين متنوّري الإسرائيليين(اليهود) لما يحمله من استهتار فاضح ومسيء بآلام ومعاناة 3 ملايين فلسطيني يقبعون وراء الجدار العازل العنصري، وبحقهم الطبيعي والمشروع في حياة حرة وكريمة.
لم يدر في عقول القائمين على هذه الدعاية السيئة ولا في مخّ وكلائهم الناطقين بالعربية حجم الاستياء الذي قوبلت الدعاية به، ودرجة اتساعه، ليس فقط لأن العنصرية ، وعلى المكشوف، صارت من البديهيات في الثقافة العامة للمجتمع الإسرائيلي، بل لأن فكرة الفصل بين "عرب هون" و"عرب الضفة" ، بكل بذاءتها، صارت أمرا واقعا حتى في تعامل رؤوس الأموال ووكلائهم المحليين المطيعين مع المستهلكين على جانبي الخط الأخضر، بعدما كانت مقصورة على "الحياة السياسية، إذا جاز القول. ولعل فضيحة تسمم طفلة مقدسية من بديل حليب الأم من نوع متيرنا قبل أسبوعين، واعتراف الشركة المصنّعة أنها تنتج بضاعتها بنوعيّتين مختلفتين، ودرجتيّ جودة متفاوتتين، واحدة للجمهور "داخل" الخط الأخضر، وأخرى لجمهور "الضفة"، هي الدليل الأبرز على تفشي العنصرية حتى في المجال التجاري.
وحتى لا يساء فهم ما ترمي هذه المقالة إليه أوضح أنه ليس مطلوبا من اتحاد أبناء سخنين أن يتسلّح و"يدشع" بقدّه وقديده ليسقط الجدار العازل، ولا حتى أن يكلّف خاطره ويقيم مخيّما تدريبياً مع المنتخب الفلسطيني في رام الله أو أي مدينة فلسطينية، كإجراء تضامني شكلي مع معاناة الرياضيين الفلسطينيين وقيام الاحتلال بتجريف ملاعبهم الرياضية ومنعهم بصورة منهجية ومتواصلة من المشاركة في المناسبات الرياضية العالمية والعربية، وذلك أضعف الإيمان من فريق يراد لنا أن نتعامل معه على أنه "فريق العرب" ، هيك ، وليس مجرد "اتحاد أبناء سخنين" بالتسمية الرسمية.
ويصبح هذا التصرف أكثر مدعاة للتساؤل والاستنكار حين يأتي من فريق "بلد الشهداء" بتاريخه الذي لا يمكن لأحد أن يزاود عليه، وأن يوقّع هذا العقد رئيس البلدية الذي شنّف آذاننا إبان انتخابه بتشرّفه وافتخاره "بالانتماء لصفوف التجمع الوطني الديمقراطي كأحد أبنائه المخلصين" كما جاء على لسان مازن غنايم نفسه.
ماذا كان سيحدث لو رفضت إدارة فريق اتحاد أبناء سخنين تلقي الدعم هذه السنة، والقول بلسان عربي واضح، وبلغة الضاد التي لا نعرف كم يجيدها غنايم فعلا بعد ما حدث، أنها تترفع عن تلقي دعم من شركة تهين، عن سابق إصرار، أبناء شعبنا، وتسخر من معاناتهم وحقهم الطبيعي في حياة كريمة وفي التعامل معهم كبشر سويين يحق لهم ما يحق للآخرين؟
ماذا كان سيحدث لو رفض أبناء سخنين هذه الرشوة التي دفعتها سلكوم لهم( مليون وثلاثمئة ألف شيكل، يا بلاش) ودعت، بالمقابل الى مهرجان تضامني حاشد لدعم الفريق في استاذ الدوحة أو أي مكان آخر؟ هل يعجز أبناء شعبنا المقتدرون على دعم الفريق بمبلغ موازٍ لرشوة سلكوم؟ بالتأكيد لا.
ألم يكن هذا أفضل للعرب، ولـ "فريق العرب"، الذي خيّب آمال كثيرين منهم بهذا التصرّف الأهوج، الذي ، برأيي المتواضع، سيكون كفيلاً بإعادته من مكانة "فريق العرب" الى حجمه الطبيعي كفريق عربي آخر ناجح؟ المباريات القادمة وحجم حضور المشجعين من غير ابناء مدينة سخنين، ستثبت ذلك.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مسلم وديمقراطي

featured

ثمرات التصدي للتخريب

featured

دروب الآلام والعذاب والحروب ليست منزلة!

featured

نحن الشهادة الحيّة والشهود على النكبة

featured

مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني: رهان الأمل وتحدّي المشروع والآليّات

featured

مال عربي لإفساد الضمير والمواطن العربي

featured

الهدية الأجمل لقرار الاعتراف: ترسيخ الوحدة في ميثاق شرف