باتت ظاهرة متكررة تعيد إنتاج نفسها في إسرائيل، أن يسارع مسؤولون عسكريون وأمنيون الى التعبير عن نقدهم وقلقهم من الوضع السياسي السائد، ولكن فقط بعد مغادرتهم وظائفهم ومراتبهم ومقاعدهم الوثيرة. عمومًا، يسوّغون الصمت الطويل بضرورات ومستلزمات الوظيفة التي تمنعهم من المجاهرة بمواقفهم، مع أنهم في الوقت نفسه أشدّ المساهمين، فعليًا، في تكريس الوضع الذي سينتقدونه لاحقًا! وقد سبق ان عبّر رؤساء شاباك سابقون (في فيلم وثائقي) عن مواقف غاية في النقديّة لما تفرزه سياسة الاحتلال، علمًا بأنهم عمليًا مقاولو سياسة الاحتلال رقم واحد!
الآن يقوم بالدور نفسه رؤساء سابقون لجهاز "الموساد" من خلال مقابلة جماعية أجرتها معهم "يديعوت أحرونوت". انتقاداتهم امتدت على جوانب مختلفة (منها الانقسامات الاجتماعية ومستوى القيادة السياسية المتدني) وطالت أيضًا ما وُصف بالجمود السياسي. أحدهم عبّر عن قلقه من "عدم التحرك في المجال السياسي، الأمر الذي يقودنا إلى دولة ثنائية القومية، التي هي نهاية الدولة اليهودية والديمقراطية". أي بكلمات اخرى، هذا إقرار بأن عدم التوصل الى حل للقضية الفلسطينية، بتسوية عادلة يتفق عليها الطرفان، هو ما بالضبط ما يصفونه بمفرداتهم بـ"الخطر على الدولة"...
ارتباطًا بذلك يحذّر هؤلاء مما أسموه "الوضع الحرج للدولة" كاستعارة للخطورة من عالم الطب!، ويحذرون من القابضين على مقود الحكم "مفضلين الهيمنة والمصلحة الشخصية على المصالح العامة". وهذه بالطبع ناتجة عن السياق العام، إذ تنعدم الحدود بالمعنى الحرفي والمجازي، و"تحتفل" هذه الدولة بعقود من الاحتلال والاستيطان وأكثر منها من التهجير ودوس الوجود السياسي والانساني لشعب بأكمله. هذا هو الجذر الصلب للفساد كلّه!
لقد بدت تلك الرؤى في كامل وضوحها حين انبرى الوزير اليميني الاستيطاني نفتالي بينيت رافضًا إياها معتبرا ان "الوضع ممتاز". وبالطبع فاليمين معنيّ وله مصلحة في إشاعة هذا الوهم الذي يبقيه محتلا الحكم. وفي هذه الأثناء، حين يقول قادة جيش الاحتلال أن الوضع خطير ومتفجر "بالذات من الجهة الفلسطينية" ويتحدثون عن "مشاكل عينية"، فإنهم يساهمون بدورهم في غسل العقول وكيّ الوعي وتزييفه في المجتمع الاسرائيلي، إذ لا يكاشفونه بالحقيقة الساطعة والتي يعرفونها بلا ادنى شك: لا هدوء ولا أمن ولا أفق بدون حل عادل للقضية الفلسطينية.
