استطاعت أورنات تورين أن تلخص ماهية حياته، حينما قالت ببساطة: "عندما ندخل المطعم. نحن نفكر بالطعام، وبنيامين (غونين) يفكر بالنادل". هذا هو بالضبط بنيامين غونين، من يرى إنسانية الإنسان فيما وراء المادة.
في كتابه "حياة حمراء- محطات في حياة شيوعي" (حررت الكتاب مريم الغازي، وصادر عن دار النشر"برديس") والذي صدر خلال السنة الماضية، تجد قصة إنسان طريقه مرصوفة بالمعاناة، ولكنها طريق مخضبة بتفاؤل لا ينضب. في سن العشرين، عندما كان يبحث عن أخيه في ساحات المعارك القاسية، لم يكن متأكدًا فيما إذا كان هذا الهيكل العظمي الذي جلبه للدفن في حيفا، هو جثمان أخيه- حيث يكون باستطاعة أمه الحزينة أن تجد رقعة صغيرة من الأرض تبكي عليها فلذة كبدها- أم أنه جثمان شاب سوري، من الممكن أن تكون أمه تبكي على قبر مدفون فيه جثمان شاب يهودي.
هذه الرمزية التي تتحدث عن نساء باكية على كومة عظام متشابهة، هي قصة الشعبين المأساوية، التي يحاول بنيامين غونين ورفاقه أن يضعوا حدًا لها، حيث تبدأ قصة جديدة من التعاون والازدهار، وهكذا تتمكن أمهات المستقبل أن يرسموا مستقبلًا أجمل لأبنائهم الأحياء.
يقدم لنا بنيامين غونين، في سيرة حياته، مثال المناضل من أجل الطبقة العاملة. في الثانية ليلاً، يمكنك فقط إيقاظ الرفيق بنيامين، ليخرج من سريره الدافئ، لكي يتصدى لهجوم الشرطة التي تنفذ أوامر الآلة الرأسمالية المعربدة، التي أرادت كسر إضراب عمالي شرعي. وبنيامين غونين هو العنوان أيضًا لعمال قليلي الخبرة، يطلبون المساعدة في الضباب الذي يتخبطون فيه. وهذا الإنسان لم يخيب الآمال أبدًا.
عندما سافر مع رفيقنا خالد الذكر، جمال موسى، للوقوف على أوضاع العاملين العرب في إيلات، الذين عانوا من تنكيل الشرطة ومن سجنهم في مناطق سكناهم في ظروف صعبة؛ لم يأت هذان النقابيان لالتقاط الصور والإسراع بالعودة إلى البيت، بل جاؤوا من أجل أن يعيشوا حياة العمال العرب، وليتقاسموا معهم تجربة القمع والتنكيل الشرطوي. وعندما عادوا إلى تل أبيب، عرفوا كيف يرفعون، باسم العمال، صرخة مدوية ضد الاضطهاد- صرخة تركت أثرًا بالغاً وساهمت بتخفيف الاضطهاد ضد العمال العرب.
وفي الأيام الكالحة، بعد حرب حزيران العدواني، في العام 67، عندما قام مغرضون بتأليب أبناء العائلات الثكلى اليهود في شركة الكهرباء، المكان الذي عمل فيه بنيامين غونين، وكأنه هو، وليست سياسة العدوان والعسكرة، من يتحمل مسؤولية وقوع مآسيهم، لم يتراجع أبدًا، حتى عندما طالبه أصدقاء مخلصون، خوفًا على سلامته، أن يلتزم البيت. رفض بنيامين كذلك أن يحصل على الدعم من الخارج. لقد كان يعرف في قرار نفسه أن هؤلاء العمال هم إخوته وسيأتي وقت يدركون فيه الحقيقة بحيث يتم فضح هذه الديماغوغيا اليمينية الشرسة. وهكذا كان، فبصبر وبعناد، فهم العمال أن العنوان لمأساتهم هي سياسة الاحتلال والتوسع. لقد صمد بنيامين غونين صمودًا بطوليا غير عادي.
إن الصداقة الرائعة التي جمعته، وما زالت، مع الرابي غرشون هربنس، هي الشهادة أنه ليس بإمكان الفواصل الأيديولوجية والدينية أن تحول دون التقاء بني البشر، من اتجاهات رأي مختلفة، في سبيل العدل الاجتماعي ورفع مكانة الطبقة العاملة. إن توجه بنيامين غونين هذا، حيث يضع مصلحة العمال في المركز الأول، جلب له الاحترام والتقدير وجلب له أيضًا عددًا كبيرًا من الأصدقاء في دوائر واسعة في المجتمع، بين العرب واليهود.
بالنسبة للرفاق العرب، أسوة بباقي الرفاق، فهو، وكما قال أحد الرفاق، حتى عندما تسنم مناصب هامة في الحزب وفي الهستدروت، بقي على حاله- "الرفيق بنيامين"- بيته مفتوح، هاتفه الخليوي وهاتف البيت دائمًا على صلة وفي كل ساعات النهار، وحتى في الشؤون الشخصية يجدون لديه أذنًا صاغية.
شكرًا لك رفيق بنيامين. شكرًا لك رفيقة يوخيفيد.
