ألدراسات الحديثة أشارت الى أن مفهوم الدمقراطية كما يعتمده الفكر السياسي المعاصر هو بالاصل دعوة إلى المساواة،وان النظم السياسية التي تسعى للمساواة بين المواطنين في متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي انظمة دمقراطية، تهدف الى تحقيق المطالب الحياتية العريضة التي لا تحيد عن المساواة بين المواطنين قيد أنملة، وتساعد الإنسان على تطوير وإطلاق قواه الكامنة لتحقيق الذات في حياة إنسانية كريمة.
ومفهوم الدمقراطية مختلف في زمننا الحالي عنه في العصور الماضية ، فمع تكوّن المجتمع الطبقي الأول في مرحلة العبودية برزت قضية تحرير الإنسان من العبودية وظهر مفهوم الدمقراطية مطلبًا إنسانيًا مضادًا للعبودية. وبعد مضي ازمنة عديدة تطور مفهوم الدمقراطية وأصبح مرتبطا بالحكومة الدستورية المعاكس لمفهوم الدكتاتورية، وعلى الرغم من المعاني المتعددة لمفهوم الدمقراطية على مدى التاريخ، فإنه استمر مفهوما محبّبا تدّعيه الانظمة السياسية على مختلف اشكالها وتصف نفسها به.
وعلى الرغم من تعدد معاني مفهوم الدمقراطية وكيفية تطبيقها في مختلف العصور والازمان ، لكنه كمفهوم استمرت دلالته السياسية تتطور تطورا مرافقا للتراكم الحضاري على مدى القرون والاجيال . الا ان دلالته السياسية أصبحت تشير إلى حكم الشعب نفسه بِنفسه.
أي أن يكون الشعب سيد نفسه في اتخاذ قراراته المتنوعة لصيانة حقوقه ضمن دولته. واصبح التركيز على مسألة حقوق جميع افراد الشعب وليس حقوق قلة من الشعب وفئة منه تحتكر التمثيل السياسي للشعب لأنها واسعة الثراء وصاحبة الاراضي الزراعية الواسعة، أعني طبقة الرأسماليين وطبقة الاقطاعيين حسب المفهوم الحديث لذلك. فهؤلاء رغم انهم الاقلية العددية في كل الشعوب فهم المستبدون والمحتكرون للسلطة جيلا بعد جيل منذ الازمنة القديمة، وقد واجهوا العديد من الثورات الشعبية للتحرر من حكمهم وسلطتهم، واشهر تلك الثورات والانتفاضات التي يذكرها التاريخ، الثورة الشعبية في اليونان وعاصمتها اثينا بقيادة البطل الشعبي "سبارتاكوس" وكومونة باريس في فرنسا، وثورة القرامطة في العراق في زمن العباسيين.
وهكذا فان مفهوم الدمقراطية من خلال تتبع تطوره تاريخيا هو من المفاهيم الصعبة التحقيق على ارض الواقع بدون الغاء الملكية الكبيرة للاقطاعيين والرأسماليين، بل من المستحيل الوصول للدمقراطية الحقيقية بدون تحقيق المساواة بين ابناء الشعب ماديا ومعيشيا وفي كافة متطلبات الحياة وليس امام القانون والقضاء فقط.
لذلك تتطلب الدمقراطية الحقيقية الربط بينها وبين مجمل قضايا الشعب لصيانة حقوقه ضمن دولته. ويجب التركيز على تأمين حقوق جميع افراد الشعب وليس حقوق قلة من الشعب او فئة منه تتقدم الصفوف، والشرط الضامن لتحقيق ذلك هو التمثيل السياسي الصادق للجماهير الكادحة في الحكومات المتعاقبة، ومجالس الشعب المنتخبة من المواطنين غير الرأسماليين والاقطاعيين والسماسرة في مجال الاستيراد والتصدير وما شابه.
ومفهوم الدمقراطية وتنوع ممارساتها ، بسبب تنوع الظروف القائمة واختلافها بين مجتمع وآخر، يتطلب بل يحتم ان يكون القرار السياسي الذي يجب ان يتم اقراره في ايدي الذين يمثلون مصلحة الجماهير الكادحة الذين هم غالبية الشعب، وليس بأيدي كبار ملاكي الاراضي والرأسماليين والزعماء التقليديين الذين غالبيتهم غير مؤهلين لخدمة مجتمعهم وزعامتهم وراثية، فهؤلاء يسخرون الامكانيات المتاحة لهم لخدمة مصالحهم الشخصية وترسيخ امتيازاتهم حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة مجتمعهم.
ولهذا فلن يتعافى الوطن وتعم فيه المساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقية بدون انتقال سلطة الحكم الى الذين يمثلون مصلحة اكثرية الشعب الذين هم في كل الشعوب "العمال" والفلاحون والمثقفون التقدميون والثوريون، والمهنيون وصغار الموظفين، والاجراء وما شابه من ابناء الشعب الذين غالبيتهم من الكادحين والفقراء والجنود وذوي الرتب الصغيرة في الجيوش الوطنية.
وان تطور مفهوم الدمقراطية واتساع شموليته اوجد المقدمات الاساسية للانتقال الى مفهوم الدمقراطية الاشتراكية التي تعبر عن سلطة الاكثرية الشعبية كما ذكرنا سابقا. فالمبدأ الدمقراطي للتنظيم الاشتراكي يعني بان كل من يمثل الجماهير عليه ان يجسد القوانين الاشتراكية المعمول بها رسميا. ومفهوم الدمقراطية الاشتراكية من وجهة نظر الاشتراكية العلمية، هو امتداد للعقيدة السياسية الماركسية التي قامت على اسسها ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 من القرن الماضي على يد الرفاق الشيوعيين الروس وقائدهم التاريخي "فلاديمير ايلتش لينين".
اما المفهوم الدمقراطي فهو تاريخيا طُرح بعدما تشكل المجتمع الطبقي وارتفع مستوى الوعي والمعرفة لدى النخبة من ابناء المجتمع، فبدأت تبرز للوجود الحركات الشعبية النضالية ضد حاجبي الحرية والمساواة عن عامة الناس أي الذين كانوا يعرفون "بالدهماء" فكانت بعد ئذ ثورات العبيد، وبعدها ثورات وانتفاضات الفلاحين الاجراء. ومفهوم الدمقراطية ليس بالضرورة مفهوما مستوردا كما تشير دراسات عديدة. وانما شهد الوطن العربي صورا مختلفة لمفهوم الدمقراطية وممارسته. ففي اواخر عهد الخلفاء العباسيين جرت في جنوب العراق ثورة شعبية طبقية عرفت بثورة القرامطة واستطاعت استحداث كيان سياسي دمقراطي اشتراكي بشكل بدائي لكنه عبّر آنذاك تعبيرا صادقا عن توقه لقيام مجتمع الطبقة الواحدة الذي يتساوى فيه المواطنون ماديا ومعيشيا ولا وجود فيه لاغنياء وفقراء بل الجميع ينعمون بالمساواة، وعاصمة ذلك الكيان الدمقراطي الاشتراكي البدائي غير المسبوق في الديار العربية هي مدينة اسمها "هجر" على الساحل الغربي للخليج العربي، واستمرت تلك الدويلة قائمة حوالي ثلاثين عاما حسب المصادر.
ومنذ فجر النهضة العربية الحديثة، فان قضية الدمقراطية من القضايا الرئيسية التي انشغل بها الفكر السياسي العربي، وقد استلهم المثقفون السياسيون العرب في البداية شعار الثورة البرجوازية الفرنسية التي قامت ضد النظام الملكي الفرنسي عام 1789م. وهو "الحرية والمساواة والاخاء" وقد انحصر الجانب السياسي لهذا الشعار في كلمة "الحرية" التي طغت على غيرها من الكلمات الاخرى. حيث تأجل الصراع الاجتماعي في مجتمعاتنا دعما لقضية الاستقلال والخلاص من اغتصاب الحكام الاجانب لبلادنا، ولا سيما في عهد الحكم العثماني للبلاد العربية. ومسائل الحقوق الدمقراطية والحريات الدمقراطية المطالبة بها اعتبر من ادوات النضال من اجل الاستقلال والتقدم، وبعد ذلك كان الانشغال ايضا بمقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني والايطالي لعدد من الاقطار العربية في غرب آسيا وشمال افريقيا.
هذا وكلمة الدمقراطية لاتينية الاصل وبالعربية معناها "حكم الشورى" ووردت اللفظة هذه في القرآن الكريم (وامرهم شورى بينهم) أي يتشارون (وشاورهم في الامر). وجاء عن الدمقراطية في "الموسوعة السياسية" انها نظام سياسي – اجتماعي يقيم العلاقة بين افراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة. اما اساس هذه النظرية والقاعدة السياسية فيعود الى المبدأ القائل ان الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فان الحكومة مسؤولة امام ممثلي مواطنيها وهي رهن ارادتهم.
وتتضمن مبادئ الدمقراطية ممارسة المواطنين لحقهم في مراقبة تنفيذ القوانين بما يصون حقوقهم العامة وحرياتهم المدنية، وقيام تنظيم الدولة وفق ما معناه (حكم الشعب لصالح الشعب بواسطة الممثلين لارادته ومصلحته)، والدمقراطية هي في الاساس اطار لتنظيم الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، فللمجتمع مصالح وطبقات وصراعات ومنافسات، واذا لم ينجح المجتمع في تنظيم هذه الصراعات بوسائل سلمية فانه يتعرض لمخاطر العنف الذي قد يصل الى الحرب الاهلية.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
