*توطئة*
يصادف هذا العام، الذي يوشك على الانتهاء، مرور ذكرى 50 عاما على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. كانت الأراضي المحتلة (1967) شهدت خلاله تطورات سياسية عاصفة، وربما مصيرية. وصل المسار التفاوضي إلى طريق مسدود، وتعرض قطاع غزة إلى عدوان وحشي. يبدو الإسرائيليون، وعيونهم على الإقليم المتفجر، يفتشون عن "لعبة أخرى" وقد وصلت إستراتيجية "فك الارتباط" مع الفلسطينيين إلى منتهاها. بدورهم، الفلسطينيون أطلقوا "دينامية سياسية" خجولة، قد تشكل ملامح إستراتيجية جديدة، قوامها الوحدة وتقوية الهجوم السياسي والدبلوماسي.
تراهن إسرائيل على أن "حرب الكل ضد الكل" التي تجري من حولها، ستفضي حتما إلى زيادة فرصها في حل المعضلة الفلسطينية بما يتفق وتوجهاتها الإستراتيجية. ويرى البعض أن سياسة "الفصل والتحكم عن كثب" التي مارستها دولة الاحتلال منذ عام 1988 ردا على اندلاع الانتفاضة الأولى، وعلى مبادرة السلام وإعلان الدولة، أوصلت الفلسطينيين إلى حالة من "عدم التوازن" و"انعدام القدرة"، ما يعني أن فرصة تكبيدهم خسارة فادحة أو إيقاع نكبة جديدة بهم، باتت كبيرة جدا.
تمحورت رؤية الإسرائيليين، يمينهم ويسارهم، لمقاربة "حل الدولتين" التي راجت منذ ذلك الحين، حول فكرة رئيسة: انتزاع اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة، "يهودية" في نهاية المطاف، وتحقيق الفصل بينهم والانفصال عنهم. اختار حزب العمل إستراتيجية التعاقد على كيان "أقل من دولة وأكبر من حكم ذاتي"، مراهنا على موت القضية، بلغة شمعون بيرس، عبر انقسام الفلسطينيين إلى ثلاث فئات: مافيا سياسية، عمالة في إسرائيل، مهاجرين طوعيين.
واختار اليمين الصهيوني، ممثلا بالليكود، إستراتيجية "فك الارتباط" والإمساك بزمام التحكم عبر خلق الوقائع واستخدام قوة الردع. راهن شارون، على أن الفلسطينيين "سرعان ما يقتل بعضهم بعضا". الأساس في كلا المقاربتين واحد: ضرب وحدة الفلسطينيين بوصفهم "جماعة سياسية"، وضرب مشروعهم عبر إعادة الهندسة الجغرافية والديموغرافية والحياتية في مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة، أراد الإسرائيليون أن يضربوا بحجر واحد الاتجاه التوحيدي الذي مثلته م.ت.ف، والاتجاه الاندماجي الذي شهده هذا المجتمع إثر التوحيد القسري للمنطقتين عام 67.
شكل قطاع غزة حجر الزاوية في هذه الإستراتيجية. فصله بالكامل والتخلص من معضلته البنيوية، وتحويله مقبرة للمشروع الوطني عبر الاقتتال الداخلي، وبالتالي جعله نموذجا للفشل في "اختبار الجدارة". والهدف التغطية على ابتلاع الضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها. من الواضح أن دولة الاحتلال تهدف إلى تدمير "حل الدولتين" وقطع الطريق على حل الدولة الواحدة وإبقاء زمام التحكم في الديموغرافيا الفلسطينية بيدها، سواء تعلق الأمر بفلسطينيي 48 أو الشتات أو الضفة وقطاع غزة، باستخدام "الاحتواء الإقصائي".
استمرار السيطرة على الأراضي المحتلة يشكل الشرط الأولي لنجاح هذه الإستراتيجية. الشرط الآخر، هو إذعان الفلسطينيين (الخضوع) بما يسمح لإسرائيل بتجنب تناقضاتها الداخلية الناجمة عن أيديولوجيتها الصهيونية. وهي تناقضات إذا لم يتم التأقلم معها يمكن أن تهدد استمرار وجودها وضمان التأييد الغربي لها.
ولكن، هل يخضع الفلسطينيون؟ هل لازالت إسرائيل قادرة على خداع العالم؟ ألا تفترض الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة حلا ما للمسألة الفلسطينية لا ترغب فيه إسرائيل؟ والسؤال الأهم، هل بمقدور إسرائيل، بالأمس واليوم وغدا، أن تنجح فيما نجحت فيه دون مساهمة الفلسطينيين أنفسهم في ذلك؟ هذا ما سوف نعالجه تفصيلا بتسليط الضوء على الأداء الفلسطيني في العقود الثلاثة الماضية بعد أن كان نضالهم المرير أسفر عن إنجازين كبيرين: م.ت.ف ممثلا شرعيا ووحيدا، وانبثاق مجتمع سياسي موحد في الأراضي المحتلة. وعلى وجه الخصوص فحص التأثيرات السلبية للصراع بين حركتي "فتح" و"حماس" على هذين الإنجازين. والفرضية هنا: تقويض هذين الإنجازين شكل الشرط الموضوعي لنجاح إسرائيل في غضون ربع قرن من "إخضاع الفلسطينيين".
*صراع السيطرة
أسفر صراع الهيمنة على المجتمع بين الحركتين عن إضعاف قدرته على البقاء والصمود والمواجهة. كما أدى الصراع على السيطرة السياسية إلى تهميش المنظمة وإبطال فعاليتها، انقسام السلطة وفقدان طبيعتها الدولانية، لتصبح سلطة شبه دائمة واعتمادية. غلب على سلوك الفلسطينيين صراعهم حول "القيادة والتمثيل" أكثر من التركيز على مواجهة المخطط الإسرائيلي، حتى بدا وكأنهم "يتكيفون" مع الواقع والوقائع التي أوجدها هذا المخطط. وتجلى "منطق الانقسام" بأبشع صورة في "التعزيز المتبادل" بين الحركتين بما يمكنهما من تبرير "انعدام القدرة" بدلا من امتلاك الجرأة على النقد.
خلقت الأزمة المتمثلة في السيطرة ثنائية القطب لحظة "التوازن الساكن". ولم يعد بمقدور أي من الحركتين أن يحسم أمر السيطرة لصالحه، لذلك وقع الانقسام الذي ولد عمليا نظامين للسيطرة. وبدلا من أن يفضي التدافع التاريخي، في حقل سياسي محكوم بديناميات الكفاح الوطني إلى ولادة نظام تعددي يعزز قدرة هذا الحقل على المواجهة، انتهى الأمر بإضعاف الحقل واحتدام الصراع بين فاعليه.
في غضون 20 عاما حققت "حماس" نفوذاً جماهيريا كبيراً. وما إن ولجت دهاليز النظام السياسي حتى وقعت ضحية "رفض الواقع وإدارته".وبدلاً من أن تحاول إعادة صياغة برنامج "واقعي"، صعدت من خطاب "المؤامرة" وافتعلت جبهة مواجهة على قاعدة إطلاقية. وبمقدار ما أسهبت في شرح المؤامرة، قصرت إلى درجة كبيرة في طرح البدائل والحلول الممكنة. شكلت جبهة المواجهة، ضرورة للمحافظة على حضورها الجماهيري. فأطلقت العنان لصراع محموم مع أولئك الذين يقفون في الجهة المقابلة للمتراس.
نشأت في أعقاب انتخابات 2006 حاجة ماسة لدى حركة "فتح" في تفعيل جبهة مواجهة أيضاً لتبرير فشلها ولاستعادة هيمنتها ونفوذها. في الواقع، عانت "فتح" من حالة انفصام تعود إلى إهدار البعد التاريخي للهوية، لصالح بُعد جوهراني. فلم تستوعب كيف ولماذا نجحت "حماس". لقد عجزت عن فهم الواقع الدينامي وتغير الموازين فيه، وصعود مطالب جديدة لا تتعلق بالمصالح فقط، بل وبتغير الهويات أيضاً.
"تعاونت" الحركتان، إذن، على خلق "جبهة مواجهة" مفردة وحادة. وسرعان ما حقنت بمزيد من قضايا الخلاف. ارتكزت هذه الجبهة إلى عناصر في الثقافة الشعبوية، ووظفت الفضاء الرمزي السياسي والتاريخي بما يوسع الفجوة ويبرر الصدام. تحول الصراع إلى عداء، واستخدم العنف للتعبير عنه على نحو واسع. في سياق ذلك، أهملت القضايا والمطالب الأساسية للمجتمع (الأمن والاقتصاد والخدمات). في الواقع، نجحت الحركتان في حرف الاهتمام عن الأجندة الفعلية للفلسطينيين.
وإذا كان من حق "حماس" وقد دخلت النظام أن تسعى تدريجياً إلى إعادة تشكيل قواعد وأسس عمليات توزيع الخيرات العامة فيه، غير أنها استعجلت الأمر فلم تلتزم بالمحددات والمقاصد العامة التي يعبر عنها العقد الاجتماعي المبرم، فأضرت بالصيرورة الطبيعية لإعادة بناء الإجماع. كما عاندت "فتح" هذه الصيرورة حينما ماطلت وناكفت ولم تستوعب الصدمة الناجمة عن الانتخابات. والأخطر من المعاندة والاستعجال، عدم مراعاة الظرف الموضوعي المتمثل في وجود الاحتلال. إن إعادة بناء الإجماع (التي تعني فرط العقد السابق) في ظل مرحلة التحرر الوطني، يمكن أن تجهض العمليتين معا (أي التحرر وبناء الإجماع).
أخيرا وقع الانقسام نتيجة هذا التدافع المحموم. يشكك كثيرون في أنه وقع نتيجة اختلاف المنطلقات والاختيارات الأيديولوجية والسياسية. بالطبع، سيلقي هذا الانقسام بظلال سوداء على مجمل ساحات الفعل الاجتماعي والسياسي. اللافت، نجح الانقسام في تحقيق ما ادعت الحركتان أنهما، بصراعهما على السيطرة، تريدان تجنبه. فالخوف من اختطاف المنظمة حولها إلى مجرد أيقونة. والحرص على الثوابت أوصلنا إلى الإذعان لشروط إدخال مواد البناء إلى قطاع غزة.
صاحب الانقسام ثلاث ظواهر: زيادة تأثير الإقليم في الشأن الداخلي بصورة سلبية. "موت السياسة"، أو عجزها عن الإمساك بزمام المبادرة. انزياح "مشروع الوطنية الفلسطينية" باتجاهين متعاكسين؛ "فوق وطني" بالاندماج في مشروع الإسلام السياسي، وانزياح "تحت وطني" يكرس الخصوصيات المناطقية أو اهتراء الجامع بين المكونات المختلفة للشعب. لقد اُستدخل منطق الانقسام ضمن منظومات السلوك والتفكير ما سهل مظاهر التكيف معه والتواطؤ على إدارته.
*تصدع مجتمع الصمود*
مع التدافع العنيف، وما صاحبه من سلوكيات وممارسات، راح مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة يئن تحت وطأته، علاوة على تأثير ديناميات التفكك والتحلل الناجمة عن الفصل الجغرافي والعزل السكاني وسوء الأداء العام. من المعروف، أن ملامح تشكيلة اجتماعية واقتصادية تبلورت في غضون 20 عاما، شكل مجتمع الانتفاضة الأولى أفضل تجسيد لها، وهو ما أطلق عليه "مجتمع الصمود".
حفزت الممارسات الإحتلالية القامعة لتعبيرات الوطنية الفلسطينية، إنضاج الوعي التحرري، وخلق هيكليات بديلة وتفعيل التعبئة الشعبية وتبني رؤية ثورية للتغيير. كما لعب العامل الاقتصادي دوراً توحيدياً كذلك، أو على الأقل لم يولد ديناميات التمزق والتفاوت. كما لم تصل الخلافات السياسية والأيديولوجية بين الاتجاهات المختلفة حد العداء والقطيعة. هذا ولعبت العائلة دورا ايجابيا في تعزيز أواصر الوحدة والتماسك والتكافل. رافق هذا الاتجاه الاندماجي ولادة "ذاتية سياسية"، عبرت عن إرادة البقاء والصمود والمواجهة. إستراتيجية "الاحتواء الإقصائي" هي الرد الإسرائيلي على هذه الذاتية بمقاربات مختلفة.
إلى ذلك، لم يقصر الفلسطينيون أنفسهم في ضرب هذه الذاتية الناشئة. يكفي الإشارة هنا إلى ظواهر العسكرة المفرطة، استشراء الفساد، الاستقطاب، الفلتان الأمني، بناء "مجتمع مضاد" من قبل الاتجاهات الإسلامية، التفاوت والتهميش والإقصاء، ترهل النظام الحزبي، البحث عن مصادر بديلة للاستقواء الذاتي والفئوي والجهوي، وغير ذلك.
اختل "التوازن الاجتماعي" بشدة؛ تردت مؤشرات نوعية الحياة، تعمقت حدة التمايزات والاحتقانات، برزت تشققات في الهوية. وفي محاولة لاستعادة التوازن، جرى تغليب اتجاه التكيف السلبي مع واقع الانفصال والعزل. وكان من الطبيعي أن تضعف قدرة المجتمع على التوافق سواء من حيث التحكم وإدارة أسباب التوتر والاحتقان الداخلي، أو الرد على تحديات البيئة الخارجية (الاحتلال، المحاور الإقليمية). ومع ضعف هذه القدرة، وربما بسببها، فشل النظام السياسي في إعادة تعريف ذاته في سياق متغير، حتى عبر الانتخابات.
عرفت الحالة الفلسطينية مظاهر الاقتتال الذاتي دوما، وسقط ضحايا في محطات عديدة. ولكن دائما كانت تتضافر ميكانيزمات الصلحة بالمعنى العرفي، وديناميات بناء الإجماع بالمعنى الوطني لتقطع الطريق على تحول أي نزاع إلى حالة دائمة من العداء أو الاصطفاف على جانبي المتراس. الانقسام (2007)، كان الأسوأ في تاريخ الفلسطينيين؛ ليس فقط بسبب الضحايا الذين سقطوا بسببه، بل الأخطر من حيث غطى على تجزئة الأرض، وساهم في ضرب وحدانية التمثيل وشرعيته، وأوغل في تقطيع أواصر العلاقات الاجتماعية. الانقسام ضرب "مجتمع الصمود" في مقتل. (يتبع غدًا)
(عن موقع حزب الشعب الفلسطيني)
