حقد الإنكليز عليه لأنه كان يدأب على تقويض نفوذهم في شرقي الأردن..

single

*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين

*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية



في الأسبوع الأول من كانون الأول 1923، أي بعد حوالى شهرين، راجت إشاعات في فلسطين وشرق الأردن عن أن كامل البديري قتل وهو في طريقه إلى نجد أو أثناء عودته منها.
وفي 6 كانون الأول 1923 نشرت صحيفة "لسان العرب" التي كانت موالية لسلطة الانتداب البريطاني والأمير عبدالله ابن الشريف حسين والتي كانت تصدر في القدس خبرًا أشبه بالنعي هذا نصه:
"نعت الأنباء الرسمية لآل بديري الكرام فتى من فتيانهم الغر الميامين كان مثال الجرأة والإقدام المأسوف عليه المرحوم كامل البديري صاحب جريدة الصباح.
عرفنا الفقيد الكريم فعرفنا فيه صفات قل أن اجتمعت لشبان هذا الزمن وطنية خالصة، وإقدامًا لا حد له، وجرأة على اقتحام الصعاب تبلغ حد المغامرة طوحت به حتى ذهبت بحياته رحمه الله.
كانت الحرب انقلابًا في هذا الكون وكان في عداد الأشجار التي انتزعت جذورها من تربتها هذا الفقيد الجريء فقد لقيته الحالة الجديدة قلقًا فلم تحسن الانتفاع بمواهبه ووجدها غريبة فلم يستطع الامتزاج معها فدفعته نفس تواقة إلى الصعود إلى المجازفة فقصد عمان وحاول منها الالتحاق بإبن سعود لغاية في نفسه وغرض قام في ذهنه وهم تحقيقه فالتقت به إحدى عصابات هذا الأمير العربي وأوقعت به. والرجال الذين يوقعون بألف وتسعمئة يماني عزل قاصدين الحج لا يمتنعون عن الإيقاع بفرد أعزل إرواء لغليل نفوسهم الظامئة إلى الدماء. فذهب شهيد وطنيته وجرأته وإقدامه في نهاية عاصفة هذه الحرب الكبرى التي ظنها الناس قد خمدت ولكنها لم تسكن بعد.
فنحن نسأل للزميل الفقيد الكريم رحمة واسعة ولآله الأفاضل صبرًا جميلًا على هذا المصاب الأليم وأن يتغمد الله فقيدهم بعفوه وحنانه ويسكنه فسيح جناته"(17).
من الواضح أن ولاء جريدة "لسان العرب" للأمير عبدالله ابن الشريف حسين انعكس على صيغة النعي أو الخبر عن مقتل كامل البديري، إذ حمّلت الجريدة المسؤولية عن الجريمة لإبن سعود واتهمت عصابة تابعة له بتنفيذها، وتهجّمت على رجال إبن سعود واتهمتهم بالاعتداء على الحجاج المسلمين.
وروى الدكتور خليل البديري أن عائلته سعت للكشف عن منفذي الجريمة ودوافعهم واتصلت بشيوخ القبائل في شرق الأردن وأرسلت موفدين إلى نجد للاستفسار من ابن سعود عن مصير كامل، فقال إبن سعود أنه  "تحرّى من قادة جميع السرايا التي كانت تعمل بجوار شرق الأردن فنفوا نفيًا قاطعًا أن يكون لهم ضلع في قتله ورجح أن يكون الأمير عبدالله هو المسؤول" (18).
عندما وصل الأمير عبدالله ابن الشريف حسين في 21 تشرين الأول/نوفمبر 1920 إلى معان وبدأ العمل على تشكيل إمارة شرق الأردن كان كامل البديري  "مطاردًا من السلطات الانجليزية ومختبئًا في شرق الأردن عند القبائل البدوية: الصخور أحيانًا والعدوان والشركس والشيشان في صويلح أحيانًا أخرى"(19)، فابتهج كامل بمجيء الأمير عبدالله وكان من ضمن المتأهبين والمتحفزين للانضمام إليه، خصوصًا وأن عبدالله قال إنه قادم ليحارب الفرنسيين ويحرر سورية من احتلالهم لها، لكنه استقر في عمّان ولم يفعل شيئًا. وسرعان ما تبددت آمال كامل البديري وثقته بالأمير عبدالله الذي كان حريصًا على إرضاء بريطانيا، فأقام في عمّان وتراجع عن وعوده السابقة.
وروى الدكتور خليل البديري أن اغتيال كامل  "تم إثر مؤامرة إنكليزية من الأمير عبدالله"، وأضاف  "وقد كان الأخير ينقم على كامل لاعتقاده بأنه كان يُحرّض القبائل في شرق الأردن، الصخور والعدوان على التمرد عليه وعدم التقيد بأوامره"، وأن  "الإنكليز يحقدون على كامل ويطلبونه لأنه كان يدأب على تقويض نفوذهم في شرقي الأردن قبل وبعد مجيء الأمير عبدالله إلى عمان"، وأورد الدكتور خليل تأكيدًا على ذلك من  "مثقال الفايز شيخ عرب الصخور وكان يقول لنا كلما سألناه عن كامل: إسألوا الأمير عبدالله"(20).
بالإضافة إلى مذكرات الدكتور خليل البديري هذه والرسالتين غير المؤرختين اللتين تم تناولهما سالفًا، ورد ذكر كامل البديري والمصير الذي لاقاه في مذكرات عادل أرسلان، شقيق القائد الوطني اللبناني شكيب أرسلان، التي صدرت بعد سنين من وفاة عادل في عام 1954، وجاء فيها:
"انتصف الليل وذهني مشغول بذكريات عمان كلما مرت منها واحدة قلت عفا الله عنه، فقد خلا قلبي من كل حقد والملك عبدالله حي، فكيف بي وقد قضى وصار حسابه عند ربه. لكني ذكرت قتل كامل البديري بأمر عبدالله وهو في طريقه إلى نجد لينجد إبن سعود عرب فلسطين فوقف دوران ذاكرتي فتصورت كاملًا (البديري) وقد صار عند بني عطية وأمر عبدالله في يد رسوله قد أدركه فاغتيل هو في البادية بيد دليله وهو عطوي من قوم سليم ابن دميك. سليم ابن دميك حمل إلى عبدالله أوراق كامل البديري ومنها كتاب من الحاج أمين الحسيني إلى الملك عبدالعزيز فبشر عبدالله أباه الحسين ببرقية رمزية وكوفئ ابن دميك على غدره بنزيله، ولم يكن في الكتاب شيء سوى استنجاد فلسطين بإبن سعود"(21).
يشار إلى أن الصحف الفلسطينية التي كانت تصدر في تلك الفترة كانت خاضعة لنظام الرقابة العسكرية الذي فرضته سلطة الانتداب البريطاني على الفلسطينيين والذي حال دون نشر أي شيء يشير إلى هوية القتلة الحقيقيين الذين غدروا بكامل ومن يقف خلفهم. فحتى النادي العربي الذي كان كامل من مؤسسيه لم يتمكن نتيجة هذه الرقابة العسكرية من نشر أي إشارة إلى علاقة بريطانيا بالجريمة أو أي شيء قد يَمُسّ بسلطة الانتداب البريطاني ليس فقط في فلسطين، بل في شرق الأردن أيضًا، أو يتناقض مع الرواية التي نشرتها صحيفة "لسان العرب" حول هوية القتلة.
أما نص الإعلان الذي نشره النادي العربي في جريدة "لسان العرب" عن حفل التأبين لكامل البديري الذي أقيم في القدس والتقرير الإخباري عنه الذي نشر في اليوم التالي فتضمن تأكيدًا على عجز النادي عن ذكر أي شيء يتعلق بقَتَلة كامل، وكان كالتالي:
*حفلة تأبين
سيقيم النادي العربي في القدس حفلة تأبينية لرئيسه السابق المرحوم الوطني المجاهد الكبير السيد محمد كامل البديري الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 21 كانون الأول 1923 فالنادي العربي يدعو كل عربي للاشتراك في الحفلة ويرجو الذين لا يستطيعون الحضور أن يتكرموا بإرسال برقياتهم ورسائلهم وخطاباتهم قبل يومين على الأقل من موعد إقامة الحفلة ولتكن بعنوان سكرتير لجنة الاحتفال الآتي:
القدس مكتب اللجنة التنفيذية
صندوق بريد 270
رئيس لجنة الاحتفال
عبدالقادر المظفر".
وفي 22 كانون الأول/ديسمبر 1923 نشرت جريدة "لسان العرب" التقرير التالي:
• شهيد الواجب
احتفل النادي العربي في القدس بعد ظهر يوم أمس بذكرى شهيد الواجب المرحوم محمد كامل البديري وقد غصت ردهة فندق مار يوحنا التي خصصت لهذا الغرض بالمدعوين والحاضرين من تلقاء أنفسهم وكان في مقدمتهم عدد كبير من علية القوم وكبارهم ووفود الجمعيات الإسلامية المسيحية وغيرهم من أبناء هذه الأمة العربية الكريمة، فافتتح الحفلة الشيخ محمد أفندي المصري بتلاوة عشر من القرآن الكريم، وعقبه كشافة مدرسة روضة المعارف الوطنية بتحية رسم الفقيد، ثم تلاهم حضرة الأستاذ الشيخ عبدالقادر أفندي المظفر بخطبة كان لها وقع عظيم في نفوس المستمعين أسالت الدموع واستمطر الحاضرون الرحمة على فقيد الوطن وشهيد الواجب.
ومما قال انه إذا مات فقيدنا هذا الذي يتمثل رسمه أمامنا فإنما مات في سبيل الوطن وليس من قضى في هذا السبيل بميت.
وتلاه حضرة الأديب السيد منيف الحسيني بقصيدة فريدة عدد فيها بعض مناقب الفقيد مستمطرًا له الرحمة ولآله الكرام الصبر الجميل.
ثم وقف الأستاذ خليل أفندي السكاكيني وأبّن الفقيد بكلام مؤثر مستشهدًا على مكانته وسعيه في سبيل الدفاع عن وطنه وأمته.
وعقبه الأستاذ الفاضل نديم أفندي الملاح بمرثية حَوَت من فصيح الكلام وبليغ العبر ما أهاج نفوس المستمعين.
وتلاه الأستاذ الفاضل الشيخ حسن أفندي أبو السعود طالبًا من الحاضرين التوقف عن الكلام دقيقة واحدة إجلالًا لله القاهر فوق عباده بالموت واحترامًا للفقيد فكان ذلك... وقال "فروح الفقيد في السماء وأنفاسه في الفضاء وجسمانه في الصحراء تملي علينا كلها درسًا مفيدًا في سبييل الذود عن بلادنا".
ثم وقف جورج أفندي متى وأفاض وأجاد عن سر التضحية... ملخصًا إياه بالشعور الشريف والواجب الوطني المقدس. وأن الراحل بموته قد أقام لنا في تلك الطريق هيكلًا شعاره القدوة. وطلب إلى الحاضرين وإخوانهم أن يكونوا خير خلف لخير سلف.
وعقبه الشاب الأديب السيد سليمان بن فضيلة الشيخ محمد أفندي الصالح فألقى قصيدة عامرة.
وبعد تلاوة أسماء مرسلي البرقيات والرسائل في مختلف البلاد السورية والفلسطينية والقطر المصري، خطب السيد عيسى شطارة من وجوه رام الله خطبة جددت أحزان القوم حيث أفاض الخطيب عن مساعي الفقيد في ناحيتها في سبيل تأليف وتوحيد الكلمة.
وختمت الحفلة بعشر من القرآن كما افتتحت بذلك. ووقف الأستاذ الشيخ موسى البديري قاضي القدس الشريف وألقى خطبة باسم آل البديري شاكرًا للقائمين بهذه الحفلة وحاضر بها معزيًا الأمة العربية بقوله "إن المرحوم لم يكن يعمل لعائلته فحسب ولكنه قضى في سبيل أمته. إذًا فهو كعربي مات في سبيل العرب ومصابه مشترك بيننا على السواء".
لم يتعرض إعلان النعي وكلمات المتحدثين في حفل التأبين للقَتَلة ولم يرد ذكر لهم، ولم يُشر أحدٌ منهم إلى المعلومات التي أوردتها جريدة "لسان العرب" في الخبر عن وقوع الجريمة.
وتشير أدبيات الحركة الوطنية الفلسطينية من تلك الفترة إلى أنها كانت شبه متحالفة مع إبن سعود، ما يوحي بأن الإخوان النجديين لم يكونوا وراء مقتل كامل البديري. فبعدما فشل الوفد العربي الفلسطيني في مهمته لإقناع الحكومة البريطانية بتغيير موقفها من وعد بلفور وفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية وبعدما أصدرت الحكومة البريطانية، على أثر المحادثات التي أجرتها مع الوفد في لندن، ما يُعرف بـ"الكتاب الأبيض" الذي أعاد التأكيد على وعد بلفور ومنح اليهود الحق في تأسيس وطن قومي لهم في فلسطين، دعا الوفد العربي الذي صدرت جريدة "الصباح" باسمه إلى عقد مؤتمر عام للحركة الوطنية الفلسطينية عُرف بالمؤتمر العربي الفلسطيني الخامس الذي انعقد في نابلس من 20 إلى 25 آب/أغسطس عام 1922. ففي هذا المؤتمر اتخذ قرار إرسال وفد عن المؤتمر إلى الجزيرة العربية(22)، ما يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تنظر إلى إبن سعود والإخوان النجديين كحلفاء، وعلى الأغلب أن اتصالات كامل البديري مع الإخوان النجديين كانت بوحي من قرارات المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس. ولم يرد في هذا المؤتمر أي ذكر للهاشميين أو للملك فيصل في العراق، أو أخيه الأمير عبدالله في شرق الأردن، أو لوالدهما الشريف حسين، ملك الحجاز، وهذا دليل على أن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت قد فقدت في ذلك الوقت المبكر ثقتها بالهاشميين الذين أضحوا أسرى الحماية البريطانية لهم، خصوصًا بعد هزيمة الشريف حسين أمام إبن سعود والقضاء على مملكة الحجاز الهاشمية عام 1924.
(يتبع حلقة أخيرة)


قد يهمّكم أيضا..
featured

انتصرت غزة. انتصرت المقاومة

featured

التَّجمُّعَاتُ الفلسطينيَّةُ وتمثُّلاتُها، ومستقبلُ القضيَّة الفلسطينيَّة

featured

مَن يستطيع أن ينمّي بذرة الخير؟

featured

جبهة عبلين تستمدّ صمودها من ثبات ونضال مؤسسيها الشيوعيين (نصري المر، العم انيس زهران، فوزي حاج، وديع خوري)

featured

حُـلـُم ليلة سوشي

featured

زعزعة الاستقرار المتصدّع في المنطقة

featured

ألاقوال والافعال

featured

"لا تتركوه وحيدا.."