"لا تتركوه وحيدا.."

single

سوق الناصرة الحبيب، فقط لذكر اسمه أمتلئ برائحة البخور والقهوة المطحونة، رمزا للتاريخ، نجمة في فضاء الجليل تذكرنا دائما أن الناصرة كانت وستبقى عاصمة الجماهير العربية وقلبها النابض رغما عن أنف كل المتآمرين عليها، ولكنه وللاسف هجره اهله وأصبح فريسة سهلة للمتآمرين عليه.
صراحة ترددت قبل أن أكتب عن الموضوع، فمنذ سنين هناك أحاديث عن بيع بيوت في السوق ليهود، بيع لم أجد له أي دليل، ولهذا قررت أن أسال عن الموضوع شهود عيان. خلال جولتنا أنا وأمي في السوق قبل ثلاثة أشهر، توقفنا عند أحد البيوت، وصادفنا امرأة تعيش هناك، سألناها أن كانت تعرف عن بيوت للبيع في السوق، قالت لنا انها لا تعرف عن بيوت معروضة للبيع اليوم لأنه "لم يتبق بيوت للبيع" حسب قولها، وان آخر بيت باعه جيرانهم قبل ثلاثة أشهر - وكان المشترون يهودا. فهل ما قيل عن الموضوع ليس فقط إشاعات وأقاويل إنما حقيقة واقعة؟
لا أعلم لماذا الحديث عن بيع بيوت ليهود في قلب الناصرة هو موضوع لم يلفت إنتباه الكثيرين، وهذا بحد ذاته أمر يثير التساؤلات والشكوك، خاصة أنه حسب اشتباهات اهل المنطقة نتحدث عن بيع لجهات استيطانية ممولة من يهود أمريكيين هدفها خلق بؤرة أستيطانية داخل الناصرة كما حدث في البقيعة، القدس، وما يحدث الآن في يافا وعكا. صحيح أن هذه شبهات فقط، ولكنها بحاجة الى فحص جدي. فالأمر يثير الكثير من المخاوف حول مصير سوق الناصرة أولا والناصرة كعاصمة الجماهير العربية ثانية، وأتساءل، اذا كان ما يتردد صحيحًا: ما هو الهدف من شراء هذه البيوت؟ ولماذا يسود التعتيم حول الموضوع؟ ومن هم السماسرة الذين يتواطأون مع هذه الشركات؟ والسؤال الاهم هو: لماذا يبيع أصحاب هذه البيوت بيوتهم لليهود وذلك مع أنهم يعلمون أن هذه الصفقات مشبوهة وتهدد مستقبل الناصرة؟ هل وصلنا لوضع فيه اضمحل انتماؤنا لبلدنا ولهويتنا كفلسطينيين لدرجة أننا مستعدون أن نبيع قضية وجودنا لمن يدفع الثمن الأغلى؟
أشعر بغصة في القلب حين أتخيل عام 48 وكيف حارب أهل البلد على بقائهم في الناصرة وتشبثوا بأملاكهم كي لا تصادرها الدولة، وأرتعب من تخيّلها تتحول بإرادتنا الى ملكية الدولة وعملائها.
برأيي، أن مصطلح "الاستيطان وتهويد الجليل" ليس معناه بناء مستوطنات يهودية في الاراضي المسجلة بملكية عربية بعد مصادرتها حسب القانون في محيط البلدات العربية، انما معناه بناء بؤر استيطانية داخل نواة القرى والمدن الفلسطينية ومنها التوسع للخارج، نحن نظن أن مستوطنة نتسيريت عيليت ستتوسع على حساب أراضي الناصرة عن طريق مصادرة الاراضي في محيط الناصرة، ولكن هذا برأيي ليس دقيقا، هذه حجة وهمية اخترعتها الدولة لتجعلنا نتركز بمصادرة الاراضي حول الناصرة وننسى الاهم، وهو مصادرة الاراضي في داخل الناصرة عن طريق شراء البيوت في السوق القديم. اذا كان هذا السيناريو حقيقيًا، فبهدوء ستتوسع هذه البؤرة الاستيطانية من السوق لتشمل مناطق أوسع من الناصرة حتى نصل لوضع فيه تمحى الهوية الفلسطينية للناصرة ولغيرها من البلاد، وبعد سنين، حين يتحدث اللاجئون عن حق العودة الى ديارهم، في المفاوضات الاخيرة لحل النزاع الفلسطيني – اسرائيلي، سيكون الادعاء الاسرائيلي أنه ليس هناك ما يرجعون اليه وذلك لانه لم يعد هناك أي معلم لأرض فلسطين التي هُجروا منها.
لقد بنيت نتسيريت عيليت برأيي بهدف توطين الفلسطينيين سكان الناصرة وليس اليهود، فإذا قارنا الناصرة بجارتها، نرى أن نتسيريت عيليت أحدث، أرتب وأنظف مما يشد بعضًا من أهل الناصرة للذهاب اليها والسكن فيها، وبالتالي قسم منهم يبيعون بيوتهم في الناصرة ويخرجون منها الى نتسيريت عيليت -  وطبعا، يجدر الذكر الى أن سياسة مصادرة الاراضي حول الناصرة والتضييق على سكانها تخدم هي أيضا فكرة هجرة أهل الناصرة لنتسيريت عيليت - وذلك لأن بعضهم لا يجد بيتا يسكن فيه في الناصرة فيلجأ الى شراء بيت في نتسيريت عيليت – اذا تهويد الجليل ليس فقط بمصادرة الاراضي الفلسطينية في محيط البلدات العربية بحسب القوانين، انما أيضا الاستيطان بداخل هذه البلدات بهدوء عن طريق البيع والشراء.
يجدر التنويه الى أن أغلبية البيوت في سوق الناصرة هي من الاراضي القليلة في اسرائيل بملكية خاصة وليست أراضي دولة، هي أراض مسجلة بدائرة تسجيل الاراضي على أسماء أصحابها، بينما أراضي نتسيريت عيليت بأغلبيتها هي أراضي دولة، وعندما نشتري بيتا هناك نحن لا نشتري ملكية ارض - انما نستأجرها من دائرة أراضي اسرائيل استئجارًا طويل المدى مع امكانية التجديد، ولا يمكن أن تتحول هذه الاراضي بأي شكل من الاشكال الى أراض بملكية خاصة مهما مر من الزمن على إيجارها حيث إن قانون أساس أراضي اسرائيل يمنع تحويل ملكية أي أرض تابعة للدولة، مما يعني أننا ببيعنا لبيوت في السوق وشراء بيوت في نتسيريت عيليت نحن نبيع حقنا الخالص في ملكية أرضنا لنستأجر من دائرة أراضي اسرائيل، نتحول من سكان الارض الاصليين أصحاب الحق والملكية الى المستأجرين عند الدولة الاسرائيلية، وهنا أتساءل: هل خطر ببال أحدكم ماذا سيحل بنا ان رفضت دائرة أراضي اسرائيل يوما تمديد استئجارنا لاراضيها في نتسيريت عيليت؟ أعلم أن الكثيرين سيقولون ان هذا ليس سهلا حسب القانون، ولكن كون الامر ليس سهلا - هذا لا يعني أنه من المستحيل!
من هنا من هذا المنبر، أطلق صرخة صحوة، لكل من يهمه تاريخ ناصرتنا والحفاظ على كياننا، لا تدعُوا السوق يحتضر، لا تمحُوا هويته وانتماءه، لنعمل على دراسة قضية بيع البيوت في السوق ليهود، واذا كان هذا يحدث فعلا، وهو ما يحتاج الفحص الدقيق والموثوق، فلنتجند ضد التعتيم حول الموضوع، لنرفع الوعي للمخطط السلطوي لتهويد الناصرة، لنتخذ خطوات فعلية لوقف أي بيع لجهات مشبوهة ونتحمل المسؤولية لكي لا يضيع من بين أيدينا – في الناصرة وعكا ويافا وكل موقع: لماذا لا نشتري نحن هذه البيوت؟
أخيرًا، هذه المقالة عبارة عن محاولة لاثارة الاسئلة حول موضوع أثيرت تساؤلات حوله من سنين، أنا لا أخون أحدا، ولا أوجه اصبع الاتهام لأحد (ما عدا السلطة الاسرائيلية التي تحاول دائما طمس هويتنا بشتى الطرق)، ولا ألوم أحدا لبيع بيت في السوق أو شراء بيت في نتسيريت عيليت، انما حاولت أن أجعل الموضوع يطفو على السطح لندرسه جيدا ونتأكد من وجوده ولنعمل على صده وبقوة، في حال كان يتم فعلا، لنحافظ على هويتنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

بلدياتنا ومجالسنا المحلية العربية: سلاحف انقلبت على ظهورها!

featured

المصادقة على إقامة "مستوطنة درزية" على أرض حطين: إسفين واستفزاز وجرح مشاعر!

featured

فجر أم عاصفة؟

featured

لكسر تمدد داعش لغزة

featured

تقوية الجبهة وزيادة تمثيلها في الكنيست تخدم المصلحة الحقيقية للجماهير اليهودية والعربية

featured

تهديد بائس ووقح

featured

ديون الدول المتقدمة والعولمة الرأسمالية