وصلني على بريدي الالكتروني مقال مُهمّ من شخص يدعى "ابراهيم بن محمد الحقيل" يبرّر فيه موقفه من معمّر القذّافي وأولاده وعائلته، متّهما اياهم بأنهم: "من اصول يهودية، وأنهم ماسونيون ومتعاملون مع الصهيونية، وانّ الدم اليهودي يسري في عروقهم"، ولم يخرج المقال عن هذه التبريرات التي وَجَدْتُ ان الكاتب اكتفى بها كي يبرر سبب دعمه للثورة الليبية الجارية ضد نظام العقيد القذافي، فارتأيت من الأخلاقي والمنطقي ان ادلي بدلوي، وطبعا هذا ليس دفاعا عن القذافي وليس عن نظام حكمه القمعي، بل نصرة للثوار العرب اينما كانوا، ولكي لا تُجيَّر الثورات الى حيث ما لا تشتهي سفن ثوّارها الشرفاء.
هل نحن ضد القذافي لأنه يهودي، ماسوني، متآمر مع الصهاينة ويعمل لصالحهم؟
ولكي تكون قضيتنا عادلة فلا بدّ من وضع النقاط على الحروف:
ان اتهام القذافي بأنه يهودي وليس مسلما او عربيا نقيا، وانه صهيوني ومتآمر مع الصهاينة يبقى في حدود التُّهم التي تُبعِد موقفنا منه الى لغة "نظرية المؤامرة"، ونظرية محاسبة البشر بناء على شكل وأصل الدم الذي يسري في عروقهم، فنحن ضده ليس ليهوديته- حتى وان كان هذا صحيحا، فدِينُ الحاكم والانسان بشكل عام لا يدلّ على مستوى أخلاقه وفكره وطريقته في الحياة واسلوب حكمه، فلدى كل الذين يحملون دينهم بالوراثة والولادة يوجد اخيار واشرار، عُقّال وجُهّال، متدينون وملحدون، علمانيون وسلفيون..- بل نحن ضدّه بسبب مواقفه وطريقة حكمه ولديكتاتوريته ولكونه يشبه باقي معظم او جميع الزعماء العرب الذين يظنون ان الاوطان املاك شخصية متوارثة لهم وتُسَلّم للأبناء وللأقارب بالوراثة، فما نحن ضدّه فيه ينطبق على معظم الحكام العرب الآخرين المتشبّثين بشكل مقيت وديكتاتوري بكراسيهم (بغض النظر ان كانوا يهودا او مسلمين او مسيحيين او علمانيين) يحكمون كمخاتير يجلسون على الكراسي من المهد الى اللحد، ولأنهم يظلمون شعوبهم ويتآمرون عليهم مع المستعمر، ولأنهم فاسدون.
موقفنا نابع من نظام حكم له اسلوب ومعاونون واتباع، فالقذافي ليس فردا بل هو شكل وصورة للرّمز الأعلى لنظام الحكم، فنحن لا نختصر القضية بفرد، والا فأننا نكون بذلك من انصار الأبطال الفرديين، وهذا ليس عصر الحكام الأفراد الأبطال، وبالتالي فكأنما نقول ان المطلوب هو تغيير الرئيس وابناء بيته لأنهم يهود ماسونيون وصهاينة ومتآمرون، بينما المطلوب ان نحدد موقفنا من طريقة النظام، فنحن نطالب باسقاط هذا النظام الفاسد ونجعل الشعب يختار بدله نظاما نقيا ديمقراطيا غير ديكتاتوري، ويسعى الى العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، ويضع دستورا عادلا لصالح الجميع بدون التفرقة بين ابناء الوطن الواحد، والسعي لبناء مؤسسات تقوم بدورها في السلطة القضائية والسلطة التنفيذية والسلطة البرلمانية، وهكذا نضمن عدم المغامرة في تسليم الحكم لفرد او لحاشية او لقبيلة او لعائلة، فَنَرْقى بذلك في وطننا الى بر الأمان.
نحن كعرب لسنا عنصريين، فقد استوعبنا في مجتمعاتنا كل انواع الألوان والديانات والبشر والطوائف والملل وكل اطياف الفكر السياسي والمجتمعي، والقرآن الكريم لا ينكر بأنّ اليهود والمسيحيين جزء من نسيج العرب السياسي والاجتماعي والقومي.
لم تكن قضايانا العربية اسلامية بحتة، فالثورات التي تحدث الآن ليس صدفة انها تحدث عند العرب وليس في بلاد المسلمين، فهي لم تحدث مثلا في اندونيسيا وماليزيا وتركيا ودول افريقيا غير العربية منها، بل هي تحدث في الدول العربية. اذًا فما يجمعها والمشترك بينها هو انها دول عربية ذات قومية مشتركة وليس لكونها دولا اسلامية، والأمر ذاته يحدث في لبنان الذي ايضا لا يعدّ دولة اسلامية بل دولة مختلطة الديانات، ولكنها دولة عربية، فليس كل عربي هو مسلما وليس كل مسلم هو عربيا، ونحن كفلسطينيين لطالما آمنّا بان قضيتنا الفلسطينية لم تكن قضية دينية او اسلامية على وجه التحديد، ففي فلسطين كان ولا زال يتعايش اليهودي والمسلم والمسيحي والعلماني والملحد والأسود والأبيض، وهذا ما يميّز فلسطين لكونها ايضا مهد الأنبياء والديانات وملتقى جميع الحضارات وكل انواع البشر، فكونها تحتوي على هذا الخليط الملوّن يجعلها روضة وجنة فيها كل انواع الورود، وبالتالي يجعلها قضية انسانية سامية وراقية، ولكن منذ جاء الصهاينة واحتلوها فإنهم يحاولون جعلها ذات لون واحد الا وهو اللون الصهيوني وليس اللون اليهودي او الانساني العام لكل ساكنيها. انهم الآن يسعون للحصول على اعتراف العالم بيهودية دولة اسرائيل، فاليهود فيها يمارسون العنصرية ضد انفسهم ايضا، فمنهم الشرقيون والعلمانيون والمتدينون والملحدون، وما يجمعهم هو السياسة الصهيونية وليس اليهودية، وبالتالي فنظامها عنصري، ولذلك فنحن الفلسطينيين نُعتبَرُ مظلومين تحت هكذا نوع من النظام. فإذا اراد الصهاينة جعل فلسطين يهودية- وهم يخططون لذلك بعد ان يحصلوا على شرعية يهوديتها- فإنما هم بذلك يمهّدون لتطهير هذه الدولة من اصحابها الفلسطينيين الأصليين وترانسفرتهم، وليس من المعقول ان نعطيهم هذه الحجة على طبق من ذهب، فإذا اتهمناهم بالعنصرية لأنهم يريدونها يهودية فمن حقّهم ان ينعتونا بأننا عنصريون اذا طالبنا بها اسلامية ضد اليهود.
لقد عاش اليهود بيننا كعرب في كل الدول العربية وكانت المغنّية "ليلى مراد" مغنية يهودية في مصر وهذا لم ينْفِ عنها صفة عروبتها ومصريتها، وكان "يعقوب صنّوع" يهوديا وهو احد مؤسسي المسرح في العالم العربي، وكثيرون غيرهم من مفكّرين وفنانين وسياسيين، الذين استوعبناهم واستفدنا من عروبتهم وافكارهم وابداعاتهم بدون تشنّج او عنصرية، وبدون ان نتقوقع خلف ديننا، فنحن ودياناتنا وقوميتنا اوسع بكثير من ذلك، ولأننا استوعبناهم على هذا الشكل، فهذا يزيدنا انفتاحا بقوميتنا وليس انغلاقا بديننا.
نحن لسنا ضد اليهود، بل ضد الصهيونية، فإذا حشرنا انفسنا بعداء اليهود بسبب دينهم فهل سنسلم من الآخرين بأن يتّهمونا بالنازية والعنصرية والارهاب، في الوقت الذي نحن فيه اكثر الشعوب التي تمارَس هذه الصفات ضدّها وتُتّهم بها من قبل الغرب المستعمر؟ وفي مظاهراتنا وفي سفن الحرّية القادمة لنصرة قضيتنا والتي تحمل مفكّرين وثوريين ومناضلين انسانيين شرفاء من جميع الجنسيات البشرية ومن خلفيات دينية مختلفة، هتف بعضنا بأنّ "الاسلام هو الحل"، و"خيبر خيبر يا يهود جيش محمّد سوف يعود"، فهل سيكفينا مجهودنا للدفاع عن فكر الآخرين من اليهود والمسيحيين وسائر البشر بحقهم ان يكونوا جزءا من هذه المنطقة، وممّن يُعتبرون ابناءها وموجودين فيها منذ آلاف السنين وقبل مجيء الاسلام؟ وهكذا فإننا نستثني مَن اتى من الغرب مع الحركة الصهيونية على شكل مستعمرين استيطانيين. اننا لسنا ضد اليهود بل ضد الحركة الصهيونية التي اتتنا من الغرب وبدعم منه كي تسلب لنا وطننا وتسعى لانقراضنا ومحو تاريخنا العريق فتصبح هي موطئ القدم للاستعمار الغربي القديم والجديد.
ولكي لا تجري رياح ثورات العرب النقية الشبابية العصرية والواعية الى حيث لا تشتهيها سفنها، فهي ستكون انقى لو انها تَكتُب دستورها بقوانين العدالة الاجتماعية والمساواة وحكم المؤسسات، وان لا يتقوقع دستورها بفرض دين معيّن على مواطنيها، بل بأن يكون الدستور للوطن والدين لله، فالعلاقة بين الانسان ودينه ليست دستورية بل الهية، وهكذا يكون من الأرقى والأسمى بأن تبقى علاقاتنا مع الدين والله علاقة عمودية، بينما تكون علاقتنا مع البشر افقية يحكمها دستورنا الأرضي.
*كاتب ومسرحي فلسطيني
