عزّ عليّ فراقك يا رفيق العمر. فكل يوم يمر على رحيلك المبكر يزيدني حسرة وأسفًا على فراق عزيز وأخ وصديق ورفيق. ومع اشتداد الحزن يتعاظم التقدير والإجلال لشخصك ولدورك كقائد ومعلم ثوري عنيد ومثابر، لإخلاصك كصديق ورفيق تغمر قلبه محبة الناس بعيدا عن الحقد والرياء. يبدو ان هموم الحياة وقسوتها التي لا ترحم وكذلك روتين العمل اليومي حالت، الى حد ما، دون ان نرى عظمة مسيرتك المأثرة، هكذا الجبل الباسق كلما ابتعدنا عنه بدا أكثر شموخًا.
البساطة والتواضع وحدة البصيرة والإرادة الصلبة كانت من الصفات المميزة لشخصية احمد سعد. وهذا ليس بالأمر الشاذ بالنسبة لإنسان عاش نكبة شعبه بكل جوارحه وفي كل آن.
كان طفلا في سنواته الأولى عندما هّجر وعائلته وأهل بلده من بيوتهم وأراضيهم في البروة – بلد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي قال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
أمضى احمد سعد طفولته البائسة في براكية من الصفيح. وعانى من أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية مزرية. وكان حلم الكبار يرافقه أيضًا بان العودة الى البروة والى غيرها من القرى والمدن الفلسطينية المهجرة لن تطول.
وكان الحديث عن اللجوء والعودة ولم الشمل مع الأهل الذين نزحوا الى خارج الوطن هو المسيطر في أوساط العائلات المنكوبة داخل الوطن. هذه هي البيئة والأجواء التي تربى فيها الدكتور احمد سعد.
حاول الطفل الحالم بالعودة وبالطفولة السعيدة إخفاء معاناته من خلال اثبات وجوده بين أترابه الجدد من أبناء كفرياسيف التي استقبل اهلها مشكورين حشودًا كبيرة من اللاجئين من القرى المجاورة، وذلك من خلال المنافسة في التحصيل العلمي. ونجح في هذا التحدي رغم عدم توفر ادنى شروط العلم في براكية عائلته المتواضعة ورغم اضطراره لتقديم المساعدة اليومية لوالده في عمله من اجل تحصيل لقمة العيش.
وتعزيزًا لعملية إثبات الوجود خطا احمد سعد خطوة صغيرة الى الأمام وكانت خطوة جريئة ومصيرية. ففي احدى مظاهرات الأول من أيار، في أواسط الخمسينيات، في كفرياسيف الحمراء شده العلم الأحمر وهتافات الأطفال الجريئة الى الانخراط في فرقة الأشبال التابعة للشبيبة الشيوعية فكان هذا المكان الطبيعي والبيت الدافئ لأطفال النكبة الذين ما زالوا يحلمون بالعودة الى ديارهم المهجرة.
وهكذا اخذ يتردد، بحماس الفتى الذي وجد الطريق، على نادى السلام (مقر الحزب الشيوعي في القرية) للمشاركة في نشاطات الأشبال ومن ثم الشبيبة والحزب الأمر الذي صقل طموحاته ونمى قدراته في مواجهة الحياة بكل فظاظتها وفي التصدي لعملاء السلطة وأذنابها.
أنهى احمد سعد دراسته الثانوية بتفوق الا ان شهامته وعزة النفس التي تربى عليها منعته من التفتيش عن وظيفة قد تكون مشروطة بالإذلال والخنوع وفضّل العمل في العمار لسنوات عديدة إلى أن أتيحت له فرصة السفر الى الاتحاد السوفييتي لمواصلة تحصيله العلمي الجامعي بمنحة من الحزب الشيوعي. ونجح هذا الشاب الطموح في الحصول على دبلوم في علم الاقتصاد السياسي بتفوق. وعاد الى الوطن مليئًا بالعلم والمعرفة والإدارة الفولاذية لمواصلة المشوار الذي بدأه في أواسط الخمسينيات عندما كان طفلاً حالماً. ونجح أحمد خلال عمله في الشبيبة الشيوعية وفي صحافة الحزب وفي هيئات الحزب والجبهة وفي فروع الحزب والشبيبة في إثبات قدراته القيادية ومواهبه. وتبوأ العديد من المناصب القيادية في الشبيبة والحزب والجبهة ومن أبرزها عضو مكتب سياسي وعضو سكرتارية جبهة ورئيس تحرير " الاتحاد" ونائبا في الكنيست عن كتلة الجبهة.
ومن خلال نشاطه السياسي وكتاباته وإصداراته تمكن من كسب ثقة أوساط واسعة بين جماهيرنا العربية وهذا برز بجلاء في الجنازة الحاشدة التي ضمت آلاف المشيعين من مختلف قرانا ومدننا العربية ومئات وفود المعزين التي أمت بيت العزاء على مدار عشرة أيام من النقب والمثلث والجليل وفلسطين.
صداقتي بدأت مع أحمد سعد في العام 1972 عندما استقبلني في مدينة لينينغراد، حيث درس هناك، قال لي عندها "من كان يتصور ان اولاد اللاجئين صاروا يرطنوا روسي في شوارع لينينغراد"، واردف: تحقق هذا كله بفضل انتصار ثورة العمال والفلاحين في هذه المدينة التي مهدت لانتصار الثورة الاشتراكية في روسيا. وقال ما نحلم به ونطمح اليه تحقق في هذه البلاد وهذا يؤكد إن أحلامنا وطموحنا ليست مجرد سخافات من الخيال.
جراح النكبة واللجوء وحياة البؤس والفقر التي عاشها أحمد سعد فولذت عزيمته في مواجهة الغبن والظلم والكفاح الدؤوب الذي لا يعرف الكلل من اجل بناء مجتمع أكثر إنسانية وأكثر عدالة وأكثر رخاء. عزيمته الفولاذية هذه ظهرت بسطوع عندما رفض الاستسلام للمرض ، وواصل الكتابة بشكل مثابر في صحيفة الاتحاد، حتى آخر أيام حياته. رفض أن يستسلم للمرض حتى بالتواصل مع رفاق دربه وأبى إلا أن يشارك في معظم النشاطات والفعاليات الحزبية والجبهوية التنظيمية منها والجماهيرية وهو مقعد على كرسي العجلات.
عزاؤنا يا رفيقي احمد في ما خلفته لنا من ذرية صالحة ومن تراث نضالي ثوري مكتوب ومن تجربة كفاحية رائدة. فأنت كالشجر تموت شامخا. وكن على ثقة أننا سنواصل المسيرة مهتدين بمأثرك وتضحياتك من اجل تحقيق حلمك - حلم الإنسانية في بناء مجتمع العدالة الاجتماعية.
