شب الواحد منا وتتدرج في مدارج الحياة السياسية والاجتماعية اليومية، وكبر عمرًا واكتسب خبرة وتجربة واشتد عوده إلى ان التصق منحازًا بحزبيته وشعبيته إلى الناس والمظلومين والفقراء، ناصر الحق وعشق الحرية بكل معانيها الإنسانية الجميلة، لدرجة الاستعداد للاستشهاد في سبيلها، كي يرسم ويجعل للحياة والاستقلال الفلسطيني طعما ولونا آخر مجبول بالعرق والجهد وبأغلى التضحيات.
ولكي تعرف الأجيال القادمة من زهرات وأزهار الشعب الفلسطيني التي ولدت حديثًا في غمرة الحرب والاحتلال والقمع والاضطهاد، وتلك التي لم تولد بعد، لكن ستولد في يوم ما حين يبزع فجر الربيع الفلسطيني ويصبح أكثر اخضرارًا مما هو عليه الآن، ونرفع العلم ذا الأربعة ألوان مرفرفًا في مؤسسات الأمم المتحدة في أوروبا وأمريكا، وستعاقَب حكومات إسرائيل السابقة واللاحقة وجنرالاتها السابقون والقادمون على ما اقترفت وارتكبت أيديهم من جرائم الحرب والعدوان والإبادة، بحق هذا الشعب الذي يسعى بكل جهد ومثابرة، وقد أعطى كل ما يملك كي يعيش تحت أشعة الشمس أسوة بشعوب الأرض قاطبة.
كبرنا وكبر الهم معنا، لكن الحلم الذي يعشعش في داخلنا مطالبًا بالهوية والدولة والعودة لم يفارقنا لا في رحلة اللجوء القسري، ولا في مسيرتنا العُمرية ونشاطنا السياسي والحزبي، منذ ان كنا وما زلنا نواصل الكفاح ونوصل الليل بالنهار، من اجل انتصار قضيتنا، منذ جيل العاشرة من عمرنا كنا نفرح لأي تصريح سياسي يقال هنا وهناك، أو لخطاب حماسي تعبوي أو لمظاهرة وإضراب يدعو إلى الوحدة والتآخي بين العرب من اجل الانطلاق لمحاربة حكام إسرائيل والصهيونية والامبريالية الأمريكية والأوروبية الداعمة للتوسع وسياسة الحرب والعدوان والاحتلال التي يمارسها الشريكان المتحالفان معًا، الحركة الصهيونية والامبريالية العالمية والأمريكية على وجه الخصوص، كان الفرح يطير من عيوننا لسماع مظاهرة ومسيرة تدعو للحرية والاستقلال وتطالب بالعدالة والمساواة في أرجاء الوطن العربي.
كان الشعور الثوري الشيوعي أكثر امتدادًا وشيوعًا بين الناس، وخاصة لدى العمال والمثقفين الشباب المتحمس والمتعطش للعمل والنضال، من اجل مطالب عدة. يقابله الحس والانتماء الوطني القومي الصادق والجارف المدعوم بالزخم الجماهيري المنطلق من محور التحرر العربي المعادي للاستعمار والامبريالية والصهيونية، والذي انطلق بصورة أساسية بعد انتصار ثورة الضباط الأحرار في مصر بقيادة جمال عبد الناصر في سنوات الخمسين وما تبعها من الثورات المعادية للاستعمار ذات التوجه التحرري في العالم العربي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن المنصرم.
*تطلعاتنا كبيرة وأحلامنا غزيرة
كانت تطلعاتنا كبيرة وأحلامنا غزيرة وهواجسنا تتداخل ما بين العطاء والتضحية والخوف من الذين يتربصون بمستقبلنا الآتي، لكن لم تتحطم آمالنا في يوم من الأيام، بالرغم من النكسة والتقهقر في معسكر الأصدقاء. وهذا يعود إلى قناعتنا السياسية والفكرية الراسخة وصدق برنامجنا السياسي ومشروعنا الوطني التحرري، وعمق انتمائنا الطبقي، الذي اثبت انه هو الأصح والثابت والشامل والقادر على إعطاء الحلول لمشاكل شعوبنا على الصعيد الطبقي القومي أو السياسي والاقتصادي والعقائدي وغيره، في حين يبقى الصراع هو الصراع نفسه لا يتغير، ولكن أشكال وأساليب النضال تتغير مع الظروف في الزمان والمكان. فنحن والشعوب المظلومة والمضطهدة لكن الساعية إلى الحرية والاستقلال وتحقيق العدالة الاجتماعية في خندق واحد، ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية وسائر الحركات الداعية إلى الانغلاق والتزمت الديني والتقهقر الاجتماعي والتحرري التي تحاول اللعب بالمفهوم السياسي والطبقي والقومي وتطرح نفسها بديلا ليس للرأسمالية والاستغلال، وإنما في الواقع تعزز مفهوم السيطرة السياسية والطبقية في الحكم من خلال مؤسسات الدولة وفي نهج الحياة اليومية للناس. وتتخذ من معاداة اليسار وقوى التقدم والحرية والسلام والديمقراطية طريقًا وأهدافا لتحقيق طموحاتها في الوصول إلى مركز السلطة واتخاذ القرار، كي تمارس البطش والإرهاب لكل القيم والأخلاق الإنسانية في المطالبة بالقضاء على الدولة نفسها وبناء دولة الشريعة والحكم الإسلامي. يعني العودة إلى مئات السنين إلى الوراء.
ينقضي نصف عمرنا ويزيد، وها هو جيل يمضي ويتجدد بانتظار الفرج الآتي في ذلك الخطاب المعلن المليء بالتفاؤل والأمل والتحدي، يعادله التصريح السياسي المفعم والمستند إلى المسؤولية الجماعية والقومية والوطنية، من هذه الحكومة العربية أو ذاك الرئيس وهذا الزعيم، اذكر انه في سنوات الثمانين من القرن المنصرم، حين استمعت لتصريح سياسي لإسماعيل فهمي وزير خارجية مصر في حينه، مفاده ان عام 1980 سيكون عام التحرر ودحر العدوان وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، كان هذا قبل 33 عامًا مضت وكان في عهد حكم السادات بعد زيارته المشؤومة للركوع والاستجداء في القدس أمام مناحم بيغين وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد. منذ ذلك الحين قلنا الذي قلناه في ذلك ان رياح التغيير السلبية وتغيير فلسفة الخطاب العربي المشبع بالقومية والإرادة التحررية والوطنية الصادقة تتغير وتتبدل وان القيادات الوطنية استبدلت الخطاب والموقف الذي تتبناه الشعوب والجماهير بالخطاب الشعاراتي الاستهلاكي الذي لا يسمن ولا يغني ولا يحرر شبرًا واحدًا من الأرض المغتصبة. وان هذه الشعارات وضعت ليس لتعبئة الشعب والجماهير، وإنما لتبديد الموقف السياسي إلى درجة الخيانة الوطنية في تقديم التنازلات وخلخلة المواقف وإحداث شرخ في الصف العربي المعادي للاستعمار والامبريالية وحكام إسرائيل، وكان للأسف ان بعض القيادات العربية ذات التاريخ المجيد قد وقعت في شرك الاستسلام بعدما تحولوا إلى كرباج بيد الولايات المتحدة وإسرائيل ضد شعوبهم وازدهارها وتقدمها. كما تحولوا إلى بوق للدعاية باسم العروبة والقومية ولحرف النضال التحرري المعادي للاستعمار وإظهار الصراع بين الأمة الإسلامية والإيرانية وبين السنة والشيعة والعلويين والأكراد وغيرهم. ويجري كل ذلك بدعم وتمويل وتنفيذ وتدخل من دول الخليج العربي في كل من قطر والسعودية وغيرهم. التي تنفذ السياسة الأمريكية في المنطقة لإجهاض شعوبها وحركاتها التحررية نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي حفاظًا على مصالح الغرب وإسرائيل.
*نعيش مرحلة هامة ومفصلية*
ان أجمل لحظات العمر والكفاح، هي تلك اللحظات التي تسبق انبلاج فجر الحرية والعدالة، لأن هذه اللحظات هي محطات نشوة الفرح والانتصار لحظات الشموخ والاعتزاز مجددًا في تحقيق السعادة وقطف ثمار سنوات الكفاح سنوات العذاب والجوع والحرمان. وأيام وليال طويلة من الكبت والظلم والعدوان وان تحاصر نفسك وتشدد من خطوات أقدامك على الأرض وتتضور جوعا وتحاكي خيالك وأفكارك. هل تمضي حياتنا في جحيم الزمن، تخاطب المجموع وتوقظ فيهم الأمل في التغيير والانتصار وتغيير الحياة من مرها إلى حلوها.
إننا نعيش مرحلة هامة ومفصلية من حياتنا اليومية والكفاحية، ومن الطبيعي ان نتأثر بالمجريات الحاصلة في داخلنا وحولنا وفي محيطنا العربي، وان نتألم لما يحصل لامتنا العربية ولمجتمعنا العربي والفلسطيني عامة. فنحن على اعتاب مرحلة جديدة من الممكن ان تشهد وتولد الكثير من المآسي والويلات، فأعداؤنا ما زالوا يملكون القدرات والإمكانيات للإيقاع بنا وايذائنا وبشعبنا بل بمجموع شعوبنا العربية بهدف تفتيت أوطانها لتسهيل ابتلاعنا والقضاء علينا.
نحن نملك الحلم الفلسطيني والإرادة والموقف، نملك قوة الحق والمنطق فنحن أمام تحديات جديدة ولكن بتصميم كبير على ان الأمور قد تتغير إلى الأفضل وتحقيق ما نصبو إليه.
إن المرحلة السوداوية من سياسة الحروب وسفك الدم ستبقى سيدة الموقف هكذا هم الامبرياليون والصهيونيون لا يعرفون ان يعيشوا الا على سياسة الحروب وسفك الدماء. لكن التاريخ علّمنا ان إرادة الشعوب هي الأقوى وهي المنتصرة مهما كان بطش الأعداء وحجم التضحيات ومهما بلغت قساوة الأعداء.. فمهما اشتد الليل في سواده، فلا بد ان يلوح الفجر بعد هذه الظلمة.
(كويكات/أبوسنان)
