لا يزال العالم يسير في طريق محفوف بالمخاطر، بسبب التناقضات والعداوات السائدة والمصالح المتضاربة، واتساع دائرة الفوارق الطبقية في المجتمعات، وتزايد تكاليف المعيشة على الفقراء وهم الأكثرية العددية في كل الشعوب مع انه توجد اطر سياسية حزبية ونقابات تجتهد من اجل إصلاح الأحوال والخلاص من ويلات الحياة، وهذا الواقع العالمي موروث، فالتاريخ مليء بالأحداث المأساوية والدموية التي عانت منها الشعوب مرارات المعيشة وقسوتها وصعوباتها. فهذه الحالة ليست حالة معاصرة بل موروثة جيلا بعد جيل. ولا شك بان أسلافنا وأهلنا كانوا مثلنا يحلمون بالوصول الى حياة أفضل، وبوجود أنظمة وحكومات تنشر العدالة والمساواة والرفاه، وتحمي حقوق الإنسان، وتصون مصلحة الجماعة والأفراد، وكانوا مثلنا يأملون بتحقيق مزيد من التطور والتقدم لمجتمعهم وبلادهم. وبوجود حكومات وأنظمة تنشر العدالة الاجتماعية والرفاه وتأمين حقوق الإنسان، ويأملون بأن التراكمات المعرفية والعلمية وتطور المفاهيم والعقول نتيجة لانتشار العلم والمعرفة والثقافة سيغيّر ذلك الواقع نحو الأفضل خلال زمن قصير، وسيتم أيضًا القضاء على الفساد وعلى الأمراض والأوبئة، وعلى الفوارق الطبقية أيضًا، والوصول الى المساواة والعدالة الاجتماعية الحقيقية.
لكن هذه الرغبات والأحلام والتطلعات، ما زالت متعثرة بالعقبات والمطبات المعيقة والمتسببة بالتباطؤ في مسيرة التقدم والتطور المنشود، والذي تحقق منها هو لمصلحة الأثرياء الذين هم الأقلية في كل الشعوب، لكن ذلك أثمر المزيد من الاختراعات التي ساهمت في تحسين وارتقاء الكثير من مستلزمات الحياة والمنجزات في مختلف العلوم والمكتسبات الحضارية الهامة، منها مثلا غزو الفضاء والوصول إلى سطح القمر، لكن ذلك وما رافقه من اختراعات متنوعة لم تخلّص الشعوب من مشاكل ومتاعب وهموم الحياة التي تتوالد وتتراكم باستمرار. نعم وأصبحنا نفتقر إلى الراحة النفسية بالرغم من المكتسبات الحضارية والمعيشية وما شابه من التطور الكبير في الطب والعلاج الشافي من أمراض جسدية عديدة كانت تعالج سابقًا بوسائل وطرق بدائية. لكن الآلام النفسية لا زالت تتجدد وتتزايد، وكثرة الاختراعات وأنواعها العديدة لم تخلّص الناس من متاعب الحياة الصعبة والمتجددة، وبالرغم من كثرة المنتجات الغذائية على مختلف أنواعها والتطور الكبير في الزراعة وإنتاج أنواع مستلزمات التغذية التي لا يستغنى عنها، لكن معظم هذه المكتسبات هي في أيدي الأغنياء والميسورين، وما زال الفقراء هم الأكثرية ومحرومين بدرجات متفاوتة ملموسة بالرغم من ازدياد عدد المتعلمين والمتعلمات في كل المجتمعات، ووجود المدارس والمعاهد والجامعات في كل الأوطان. مع ذلك لم ترتق بعد النفوس والعقول الى ما يكفي، بل راكم ذلك مزيدًا من الفروقات الطبقية من نوع جديد بسبب مصاعب تأمين متطلبات الحياة المستقرة والهانئة.
وبالرغم من تعدد الأحزاب السياسية وتنوع أساليب الحكم وفوز الشعوب بالاستقلال الوطني وزوال الاستعمار المباشر الذي كان لزمن قريب يثقل على صدور العديد من الشعوب في العالم، فقد استمرت الدول الاستعمارية سابقًا والامبريالية حاليًا أي استعمارية بشكل غير مباشر، صاحبة القرارات الرئيسية في الكثير من الشؤون الدولية وبالشكل المناسب لمصالحها هي ولو كان ذلك مضرًا بالآخرين ويتم رغمًا عن إرادتهم الوطنية. وفي مقدمة الشواهد على ذلك الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة والمعترف بها دوليًا بالكلام وعلى الورق لا أكثر ولا اقل، لأن الدول الامبريالية مستفيدة من ذلك ويخدم هذا أطماعها وسياستها في منطقة الشرق الأوسط. وهذا يؤكد بأن الحقوق الوطنية لا تعطى من الغاصب والسالب بل تسترد بواسطة تغيير موازين القوى لمصلحة أصحاب الحقوق الوطنية المسلوبة من أصحابها الشرعيين، فان المواطنين مالكي الثروات المالية الكبيرة في كل الأوطان، اعني طبقة الرأسماليين والذين يملكون آلاف ومئات الدونمات من الأراضي الزراعية ويعرفون بالإقطاعيين، هم أو أغلبيتهم في كل الشعوب أصحاب القرارات الأساسية والرئيسية في الدول الرأسمالية، وقراراتهم تصب في خدمة مصالحهم الطبقية الاقتصادية والسياسية بالدرجة الأولى، وهما أي الإقطاعيين والرأسماليين أقلية عددية في كل الشعوب والأوطان. والأكثرية هم العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون وصغار التجار والموظفون والمهنيون.
وفلاسفة العقيدة السياسية الاشتراكية العلمانية الأوائل المؤسسون، قرروا وأوصَوا بقيام التحالف بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وبالنضال الطبقي المسلح إذا لزم ذلك في المرحلة التأسيسية للنظام الجديد النقيض للنظام الرأسمالي والإقطاعي. وحسب وجهة نظري الشخصية وقناعتي، بالإمكان وصف تحالف الرأسماليين والإقطاعيين وشركائهم في الحكم بـ "الدكتاتورية الحكومية الناعمة والمخادعة". فهم يرفعون شعار المساواة بين المواطنين وعمليًا هم يتصرفون بعكس مضمون هذا الشعار، حيث مصالحهم الطبقية المادية والمعنوية والسياسية متناقضة مع مصلحة الجماهير الكادحة صاحبة المصلحة بالمساواة وإزالة الفوارق بين الطبقات وصولا للطبقة الواحدة التي تحقق المساواة التامة في مستوى المعيشة وأمام القانون لجميع المواطنين. فإن إزالة الفوارق الطبقية بين جميع المواطنين، هي الكفيلة بوضع حد نهائي لغياب المساواة بين المواطنين في مستوى المعيشة والمسكن ومتطلبات الحياة الكريمة، وبذلك يصبح ما أطلق عليه البعض "الربيع العربي" تسمية صادقة ومعاشة فعلا. أما عندما يقتصر التغيير في أقطارنا العربية على إسقاط الحكام واستبدالهم بحكام آخرين وليس غير ذلك في نهاية المطاف، فذلك ينقلب على أصحابه بالسوء ويكونون على شاكلة من سبقهم من حكام. فان مرحلة ما بات يسمى بالربيع العربي يجب ان تؤسس لقيام الدولة المؤهلة والضامنة لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية التي تصب في مصلحة الأكثرية الساحقة من الشعب، الذين هم العمال والفلاحون وصغار الموظفين وصغار التجار وما شابه من غير الميسورين الذين هم الأكثرية الساحقة في أقطارنا العربية وفي كل الشعوب.
ومما دفعني لتناول الموضوع الطبقي في مقالتي هذه، ما تقوم به حاليًا الأسر الإقطاعية والرأسمالية الحاكمة في قطر والسعودية بقصد إسقاط نظام الحكم العروبي في سورية الذي عقيدته ومبادئه السياسية، متناقضة تماما مع أهدافهم ومصالحهم الطبقية كأسر حاكمة في بلاد لا يوجد فيها ما يمت للديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية بصلة، ونظام الحكم فيهما متذيل وتابع للدول الامبريالية المحتضنة للحركة الصهيونية والأطماع التوسعية الإسرائيلية. فالدول الامبريالية تعتبر إسرائيل منذ ولادتها عام 1948 إلى يومنا هذا خندقًا أماميًا لها في المشرق العربي لحراسة مصالحها في المنطقة – وطالما ان النظام السياسي في سورية أهدافه تحررية وتقدمية ووحدوية وداعم لحزب الله في لبنان المقاوم للأطماع الإسرائيلية التوسعية والمسنود أيضًا من الحكومة الإسلامية الإيرانية. فهذا مقلق ومزعج لحكام إسرائيل التوسعيين والمجهضين لمطلب السلام العادل المنشود، بسبب أطماعهم المتناقضة مع الشرعية الدولية وقرارات منظمة الأمم المتحدة. ولذلك تتعرض سورية الآن للمؤامرة الهادفة لإسقاط نظام الحكم الحالي فيها، وفي مقدمة الداعمين لهذه المؤامرة ماليًا وسياسيًا وعلى جميع الصعد، الدول الامبريالية، والحكام الرجعيون في الدول العربية في مقدمتهم حكام السعودية وقطر.
نعم يا أخي القارئ، فان كبار الرأسماليين مصالحهم الطبقية الاقتصادية والسياسية لها الأهمية الرئيسية عندهم ويقدمونها على مصلحة شعبهم وأمتهم وبلادهم فيما إذا كانت ستكون على حساب مصالحهم وأطماعهم المادية ورغباتهم السياسية الذاتية، نعم وألف نعم فان الأنظمة التي أعمدتها وسقوفها هم الرأسماليون والإقطاعيون كما هو الحال الآن في السعودية وقطر وأنظمة عربي أخرى يعادون النظام السوري لأنه في مبادئه وهويته وسياسته مختلف عنهم، فهم رجعيون وهو تقدمي وهم متذيلون للدول الامبريالية، وهو محافظ على سياسته المستقلة ولا يتذيل لأية دولة، بل يصادق من يصادق سورية ويعادي من يعاديها. وهو صديق للدول الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، ولحقوق سورية في استعادة أرضها التي تحتلها إسرائيل في منطقة الجولان السورية. وللدول التي تدعم تحقيق السلام العادل بموجب الشرعية الدولية.
هذا ومما يزيدنا قناعة بان خط سير الديمقراطية في سورية هو في الاتجاه السليم صدور الدستور السوري الجديد الذي تم اعتماده مؤخرًا في سورية. ونص على جعل عدد النواب في مجلس الشعب من (العمال والفلاحين)، نصف عدد النواب الأعضاء في مجلس الشعب البالغ عدد أعضائه 250 نائبًا بينهم ثلاثون سيدة. فهذا تطور سياسي تقدمي وحضاري ويصون خط سير سورية التقدمي والداعم لأبناء الشعب الكادحين.
كذلك تم في سورية تشكيل عدد من الأحزاب الجديدة إضافة لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية العشرة المشاركة في الحكم منذ عام 1972، والأحزاب الجديدة التي تشكلت مؤخرًا بشكل رسمي، أهدافها المعلنة في وسائل الإعلام، تصب أيضًا في مصلحة التجديد والتطوير الديمقراطي المنشود الذي يزيد متانة النظام السوري ويدعم الوحدة الوطنية في سورية، ويفتح المجال واسعًا للمزيد من التطوير الديمقراطي التقدمي. فنتمنى ان يحقق هذا النهج الاستقرار والازدهار والتطوير الذي يصب في صالح الجماهير في سورية حاضرًا ومستقبلا.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
