كتبت في مناسبات سابقة عديدة عن خطورة التحولات الجارية في النظام السياسي الإسرائيلي وانزلاقه في منحدر خطير، من شأنه أن ينتهي قريباً ليكون نظاماً فاشياً، وفقاً لما اصطلح عليه علماء السياسة والتاريخ، ووفقاً لما أفرزته تطورات حصلت في مجتمعات أخرى وكانت مثيله لما يجري في هذه الدولة.
قلت وأكدت إن انهيار منظومة القيم الديمقراطية وانحسارها لا يقتصر على جهاز حكومي معين، فعملية الإعطاب تشمل كل أجهزة الحكم المركزية والمتفرعة عنها وكذلك تشمل جميع سلطات النظام القائمة في الدولة الحديثة التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية، كسلطة كانت مفخرة النظام الديمقراطي، أُعطبت بدورها.
الواقع أنه كلما نمت وتمادت هذه الظاهرة، هكذا تتهاوى ضرباتها بتواتر مربك، يترك ضحاياه عاجزين مشتتين لا يقوون على صد هذه الضربات، هكذا بالعادة، فما بالك إذا كانت الضحية غير مستعدة.
إيجاد "أكباش فداء"، وفئات مستضعفة، هو واحد من المؤشرات التي تسم نظاماً ينحو نحو الفاشية. في حالتنا، نحن الأقلية العربية في الدولة، لم يكن صعباً على دهاقنة النظام الرسمي الإسرائيلي، ولأسباب عديدة، أن نشكل ذاك المجسم المدلَّى في حلبة الملاكمة، لتنهال عليه قفازاتهم في رحلة التدريب وتنمية العضلات والنصر.
منذ البدايات كنا شوكة في حلوقهم، ومنذ البدايات استوعب قادة الجماهير أن القضية قضية بقاء أو ترحيل، ولأنهم استوعبوا ذلك نجحوا في صنع مأثرة البقاء، لنبدأ بعدها رحلة تعزيز هذا البقاء، وترميم البنى التي دمرت، وكانت قاب قوس من الاندثار.
حوَّلوا بما يشبه المعجزات ما ظهر مستحيلاً إلى أكثر من مليون مستحيل في اللد والرملة في النقب والجليل. بقوا على صدر هذه الدولة كالجدار وفي حلقها كقطعة زجاج وكالصبار. هكذا كان وهكذا استمر الحال وهذا هو الواقع اليوم أيضاً. إذًا، هي مسألة بقاء على أرض الوطن وعلى ترابٍ منه سمرة وجوهنا وعليه سنحيا بكرامة وعزة.
وكما هي قصة بقاء بالنسبة لنا، هي قضية تخلُّص واقتلاع بالنسبة لبعضهم، يقولها صراحة ويدونها ببرامجه السياسية التي تعرض على العامة وتفوز بدعم يتنامى من يوم إلى يوم.
فها نحن نقرأ في البرنامج السياسي لحزب "إسرائيل بيتنا" أن أي حل سياسي يجب أن يسعى لتحقيق حد أعلى من الفصل بين الشعبين، وهذا سيتم عن طريق تبادل الأراضي والسكان، فالحل المقترح هو ترانسفير إرادي/طوعي يستوجب تشجيع السكان الفلسطينيين، عن طريق إغراقهم بالـ"محفزات". أما عند حزب "الاتحاد القومي" فالجليل اليوم هو "جليل الأغيار"، هكذا كتبوا، وأما عن ما يتوجب أن يكون مصير "الأغيار" في عرفهم فلقد كتبت في الماضي كثيراً.
لا يقتصر هذا الموقف والرأي عند حزبين يؤثران اليوم تأثيراً كبيرًا في السياسة الإسرائيلية والأهم في الشارع الإسرائيلي والرأي العام، خاصة تجاهنا نحن الأقلية العربية في الدولة. هما يقودان حملات الإقصاء والتضييق علينا وكأني بهم يُترجمون ما قصدوه من إغراقنا بالمحفزات، فهذه تكون كما الحلوى بيد مدرب الحيوانات في السيرك، يلقمها فم الدب أو القرد إن أجاد التصرف والتعاون مع مروِّضِه، وإلا سيهوي كرباج اليد الثانية.
نرفض الاقتلاع والتهجير ونعبر عن ذلك في كل لحظة ومنصة فلن يكون طوعيا ولن ينجح قسريا. على ما يبدو هذا ما استنتجه هؤلاء "الترانسفيريون"، لكنهم لا يستكينون ولا ييأسون، وبغريزة العقرب ينفثون جرعة من سم جديد معلَّبة في زجاجة مجملة ومقصعة.
لا تهاجروا، يقولون لمئات الآلاف منا. فأنتم فلسطينيون تكابدون ما تكابدون من روع دولة إسرائيل وسيادتها عليكم وجور قوانينها، فلنعفيكم من هذا العناء ولنلغي سيادة الدولة عليكم وعلى قراكم ومدنكم، ونوافق أن نستبدلها بسيادة فلسطينية لتكونوا مواطنين فلسطينيين في دولتكم فلسطين.
ها هم يقترحون حسر حدود إسرائيل ولَيَّ ما سمي بالخط الأخضر في، منطقة المثلث العربي، وذلك لا يستدعي نقل مواطن أو بيت أو شارع أو حي فكل شيء يبقى على حاله. إسرائيل تتراجع لتتقدم فلسطين.
هكذا تكلم ليبرمان وآخرون، بالمقابل، أعتقد أنه ولغاية اليوم لم يحظ هذا "المقترح" برد الأحزاب والحركات السياسية العربية ولا برد رسمي مبرر مشروح من قبل المؤسسات القيادية التمثيلية العربية.
كانت هنالك بعض الردود التي جاءت خافتة الصوت منزوعة الحجة والتبرير.
لا أعتقد أن غياب المواقف الرسمية يأتي من باب انهماك هذا "الكبش" بما ينهال عليه من ضربات وتضميد ما ينزف من جروح. كما لا يعقل أن لا يتخذ الساسة والقادة موقفاً مقتصرًا برفض آلي لهذا المقترح العقربي من باب انه يساوي "ترانسفير مغلف".
أعتقد أن المقترح يضع تحديات جدية في وجه جميع التيارات السياسية الفاعلة على الساحة العربية الداخلية، واعتقد أن رفض أو قبول هذا المقترح يجب أن يكون مبررّاً، ولا يمكن إبقاءه متشابها في صمت جميع التيارات، تلك التي رفضته أو ترفضه أوتوماتيكيًا.
ظاهرياً يؤدي المقترح إلى تراجع إسرائيل وسيادتها عن منطقة المثلث الفلسطيني لإلحاقها بالدولة الفلسطينية العتيدة، وفلسطين بهذا تكون الرابحة، وكذلك الفلسطينيون الذين سيعيشون من أمكنتهم في دولة فلسطين المستقلة، هل حقًا ظاهريًا فقط؟.
على كل، أكتب لأثير مرة أخرى قضية الشعار السياسي الصحيح عندما يقال وأكثر عندما يغيب. اكتب وآمل أن يستوعب القارئ أنني أناقش مواضيع أرى لزوماً وواجباً نقاشها، لأننا كلنا على نفس المركب، وهذا المركب يبحر في منطقة شبيهة بمنطقة "مثلث بيرمودا" والمسؤولية تحتم أن نتناقش كي نستطيع البقاء على نفس المركب، فقبل أن يتسابق "القباطنة" على من سيستلم المقود، علينا، كمبحرين، أن نضمن أن خرائطنا موجودة وصحيحة وأن مرساتنا سليمة وإلا لعصفت رياح ليبرمان "والسَّموم"، كما تعصف رياح مثلث بيرمودا، عندها لا مِقوَد يبقى ولا مرساة.
